الرئيسية / أضواء على / ماذا لو قرأ الحكام رسائل الموتى؟… مئة سنة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى

ماذا لو قرأ الحكام رسائل الموتى؟… مئة سنة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى

 

واسيني الأعرف
القدس العربي
15112018

مئة سنة مضت منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ومات الذين خاضوها كلهم من الطرفين المتقاتلين، ولم يبق منهم أحد.
قبل سنوات احتـــــفل في فرنسا بآخر الملتحين les poilus كما يسمونهم، لغياب كل وسائل الصحة الجسدية. عشرة ملايين منهم سقطوا في الخنادق المظلمة تحت وابل الرصاص الأعمى أو تفحماً بألسنة النار التي ابتدعها الألمان في السنة الثانية من الحرب، أو تحت ضربات المدافع الضخمة القوية التي حرثت الأرض وأبادت كل حياة ممكنة، ولم يبق إلا الجرذان الجائعة التي تأكل البشر، وأعقاب البنادق.
أول حرب يموت فيها الناس بالآلاف في اليوم الواحد، ولم يبق الشيء الكثير منها اليوم إلا بعض الندوب على الأرض التي غزتها النباتات المتوحشة، وحقول المقابر على مرمى البصر التي أغلبها بلا أسماء، وضحايا حرب خاضوها بوطنيات زائدة قبل أن يكتشفوا-وهم على الجبهات-أنها لم تكن حربهم، لكنها حرب إمبراطوريات كانت تحاول عبثاً تأخير ميقات زوالها؛ الإمبراطورية الألمانية المتحالفة مع الإمبراطورية المجرية النمساوية، والإمبراطورية البريطانية بمستعمراتها، والفرنسية بحواشيها المغاربية والإفريقية، والإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الروسية.
تأتي الذكرى المئوية والبشرية تفتح عيونها كل يوم على حروب جديدة أكثر تدميراً ولكن قوائمها منسية. الاحتلال الأمريكي خلف مقتل أكثر من مليون عراقي في حربه المباشرة، أما حروب الوكالة فالله وحده يعلم عدد القتلى. والتسابق على التسلح الذي أصبح خياراً خطيراً وكبيراً؛ كل دولة تخاف من مثيلاتها، ويصبح الانقضاض على الدول الصغيرة أمراً ممكناً، بل لا حدث.

ماذا لو قرأ حكام اليوم في أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا رسائل الجنود البسطاء والفلاحين والشعراء الذين قضوا أربع سنوات على الجبهات قبل موت الكثير منهم وهم ينتظرون نهاية المجزرة؟

من يتحدث اليوم عن قتلى اليمن أو أفغانستان؟ لا أحد يحاسب الآخر، لأن الحروب التي تدور رحاها هناك لا تقاس بالميزان البشري ولا حتى الحيواني. منطق القوة هو الأعلى في عالمنا كما كان ذلك سابقاً. هناك اليوم من الدول التي تملك وحدها ما يكفي لتدمير الكرة الأرضية عشرات المرات.
إسرائيل التي ليست عضواً في نادي الدول النووية ولا تعترف بترسانتها أمام أحد، تصول وتجول مغيرة التاريخ والجغرافية كما يحلو لها، في غياب كلي لأي ردع أو تهديد أممي، ففي مخزونها العسكري آلاف الرؤوس النووية التي تمكنها من تدمير أية دولة عربيه ترفع رأسها، بعد أن اختل نهائياً ميزان القوى لصالح إسرائيل. بل أكثر من ذلك، حيث تحولت إلى مراقب في المنطقة ضد كل من يعمل على امتلاك القنبلة النووية، بتدمير المخططات في بدايات تكونها أو قتل من يقف على رأس البرامج النووية. وتلك الإبادة المنظمة التي مارستها ضد علماء العراق والعرب عموماً والمسلمين من مصريين، وسوريين، وجزائريين وحتى باكستانيين، وإيرانيين، في وقت من الأوقات توضع فيه إسرائيل في صف الدول المارقة وخارج كل قانون دولي.
واضح أن البشرية لم تحفظ أي درس من دروب الحروب المدمرة. يكفي الدول العظمى اليوم، وعلى رأسها أمريكا، والدول الأوروبية وروسيا والصين، تجريد منطقة الشرق الأوسط نهائياً من الأسلحة النووية والكيماوية الفتاكة، لتعيش المنطقة في أمان. ذلك منطق القوة الأحادية العمياء؛ لم تكفِ حربان عالميتان مدمرتان وقنابل نووية سبّبتا دماراً شاملاً غير مسبوق على اليابان لتدرك البشرية أن العنصر البشري والكائنات الحية مهددة بخطر الفناء والانقراض. يكفي لإصبع مجنون أن يضغط على الزر الأحمر لينتهي كل ما شيدته البشرية عبر ملايين السنين. لم تنفع قسوة موت الخنادق وموجات اللحم البشري الذي التصق على المدافع في الحرب العالمية الأولى لتصبح درساً للمستقبل، ولم تكفِ مأساتا هيروشيما ونغازاكي لتتعظ الإنسانية، ولم تكفِ العشرة ملايين التي أحرقتها الحرب عشرات الملايين الذين شرّدتهم ليتساءل أقوياء اليوم: إلى أين نحن نتجه اليوم؟ أي قبر جماعي ينتظر البشرية الجشعة التي خسرت مقومات القيمة واكتفت بالقوة؟!
تحل السنة المئة بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ولا يزال كل شيء يسير بتوقيت المصالح الضيقة والنهب والتقتيل والسرقات الموصوفة والانقلابات والتكميم. من يتأمل المشاهد المتبقية من تلك الرب يفاجأ ويستغرب كيف أن العنصر البشري لا يزال موجوداً حتى اليوم ولم يبَد وهو يتلقى ضرابات المدافع الجديدة التي صنعت لإحداث أكبر دمار في البشر والأرض، أو وهو يركض في شكل مجموعات لا حصر لها بسلاحها وأياديها وبنادقها وسكاكينها، في مذابح غير مسبوقة. وحتى عندما يتخفون في الخنادق فعليهم أن يقوا أنفسهم من السموم بوجوه مكشوفة وقنابل الطائرات العمياء التي تم فجأة اكتشاف مزاياها.
كيفما كان الأمر، فقد انتهت الحرب وأصبحت جزءاً من التاريخ، وأصبح الذين ابتدعوها أو الذين خاضوها مجرد أسماء وأرقام في سجلات المقابر والحفر الجماعية، ولم تبق أمامها إلا أسئلة الحيرة: كيف يمكن تفادي الحروب التي ستكون دماراً مضاعفاً؟ الأمر طبعاً بأيدي سادة هذا العالم، إما أن يسيروا به نحو المزيد من أنسنة الإنسان، أو خيارات الخراب الكلي الذي لن ينجو من نيرانه أحد، بمن فيهم هم أنفسهم، ولن يحميهم أي شيء.
ماذا لو قرأ حكام اليوم في أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا رسائل الجنود البسطاء والفلاحين والشعراء الذين قضوا أربع سنوات على الجبهات قبل موت الكثير منهم وهم ينتظرون نهاية المجزرة؟ ربما ظهر لهم كم أن الحرب بشعة! وكم أن قيمة الإنسان تنزل لدرجة التلاشي! وكم أن العزلة قاهرة، والبرد قاس، والصرامة العسكرية تبرد الأطراف، داخل الشكوك والفوضى حيث يمكن للإنسان أن يقتل بلا سبب أو بوشاية انتقامية! ماذا لو قرأ حكام هذا العالم تلك الرسائل، ربما استيقظ الإنسان فيهم أو بقاياه، ونام الحيوان الذي لم يترك وراءه إلا الدمار والعظام والحرائق.

اضف رد