ماذا لو طارت “التسوية”؟

نبيل بومنصف
النهار
10122018

لم تكن المرة الاولى، وربما لن تكون الاخيرة، التي تندلع فيها معركة اجتهادات دستورية عقيمة ومعروفة النتائج سلفا منذ تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة بعد انتخابات ايار الماضي. ولا شيء يستدعي التوقف عند اي حرف من حروف الاجتهادات المصطنعة التي تطوع بها هذا او ذاك في مسألة محسومة دستوريا ولا تحتمل تفسيرات مطاطة او مفتعلة في مسألة استحالة نزع التكليف من الرئيس المكلف الا اذا اعتذر بقراره الذاتي فقط. لكن الامر هذه المرة لم يكن عند ظاهر هذا الحدث او هذا التطور الذي استعيد معه جدل دستوري عقيم معروف كيف يبدأ واين ينتهي في الإطار الدستوري القانوني، ولكنه ربما لا يكون هكذا ابدا في بعده السياسي وهنا الاخطر على الاهمية الكبيرة التي غالبا ما تتقدم بها الازمات الدستورية على كل انواع الازمات الاخرى. لسنا اساسا امام ازمة نظام يحلو لجماعات من فريق 8 آذار وبعض آخر التمترس عند اعتقاد بانها ماثلة بقوة بسبب التعقيدات التي نصبت تباعا في طريق تشكيل الحكومة الموعودة. ما جرى في الايام الاخيرة من ارتسام ازمة قد تكون الاولى في خطورتها بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف كان نتاج استدارة مفاجئة في موقف الرئيس ميشال عون وتصاعد احتقان معتمل لدى الرئيس الحريري. هذا التطور جاء نتيجة “نجاح” حققه الذين نصبوا الأفخاخ للرئيس الحريري لدى اقتراب الولادة الحكومية عبر تحويل مجرى الازمة الى مسار لتفجير العلاقة بين الرئيسين المعنيين حصرا دستوريا بعملية التأليف، فكادت البلاد تدخل في متاهة استعادة أزمات صراعات الرئاسات التي غالبا ما تؤدي الى انشطارات وانقسامات طائفية وصراعات دستورية تبدأ ولا تنتهي. لسنا في وارد متاهة وعظية ومعنوية للتنبيه من محاذير تمادي الرؤوس الحامية لدى هذا او ذاك من المراجع والمسؤولين الذين يفترض ان يكونوا اول العارفين بمعنى التسبب بزيادة طبقة اضافية على مبنى الازمة الآخذ بالارتفاع فيما ترزح البلاد نحو وطأة الرعب الاقتصادي. ولكن ربما لا يجوز القفز بسرعة امام حقائق تنضح خبثا ويتعين تركيز الأنظار عليها قبل فوات الاوان. من الواضح تماما ان ثمة انتشاء لدى الجماعات السياسية التي استشعرت ان احلام السيطرة الكاملة على القرار السياسي للدولة من خلال تركيبة الحكومة الجديدة قد بلغ ذروته الامر الذي باتت تستخف معه بخطورة المغامرات الانقلابية من طريق قضم صلاحيات رئيس الحكومة تحديدا. واذا كان الامر ليس جديدا بالكامل وحصلت سوابق مشابهة له ولو فشلت، فان التحريض لتفجير العلاقة بين الرئيسين عون والحريري يعتبر الفخ الاخطر اطلاقا في ظروف يتعرض فيها لبنان لاخطار متزاحمة داخليا وخارجيا بالاضافة الى اكبر الاخطار المتصلة بالازمة الاقتصادية والمالية. هذه الحقيقة لا تقف عند معارضي التسوية الرئاسية اصلا الذين ربما يشكلون افضل المعارضين وأكثرهم صدقية.ولكن هؤلاء المعارضين يغدون الحماة الحقيقيين للنظام الدستوري والطائف متى انكشفت وقائع مخططات عميقة لقلب النظام وتجويفه من طريق تحويل ازمة بين قصر بعبدا وبيت الوسط اسرع الطرق لتوظيف تداعياتها في تفخيخ النظام وتفجيره.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*