الرئيسية / home slide / ماذا لو تخلّى بايدن عن الشرق الأوسط كي يتفرّغ للصين؟

ماذا لو تخلّى بايدن عن الشرق الأوسط كي يتفرّغ للصين؟

22-01-2021 | 16:16 المصدر: “النهار”جورج عيسى

نائبا الرئيسين السابقين، الرئيسان الحاليان، شي جينبينغ وجو بايدن يتبادلان المصافحة في الصين، 2011 – “أ ب”.

تثير رئاسة جو #بايدن أسئلة قديمة-جديدة حول السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط وما إذا كان سيعيد اتّباع الحسابات نفسها التي اتّبعها #أوباما خلال ولايتيه. في تقرير الاثنين، عرضت “النهار” وجهة الباحث البارز في “مجلس العلاقات الخارجيّة” ستيفن كوك عن ضرورة اعتماد واشنطن سياسة “الاحتواء” مع #إيران، وهي السياسة نفسها التي اعتمدتها مع الاتّحاد السوفياتي. لكنّ الاحتواء الذي كتب عنه كوك كان جزءاً من نظرة أميركيّة أوسع إلى الشرق الأوسط، وهي نظرة تجذب العديد من النقاشات الحادّة في الولايات المتّحدة.

ألا تزال منطقة الشرق الأوسط حيويّة بالنسبة إلى واشنطن؟ وكيف يمكن إكمال “الاستدارة” نحو شرق آسيا لتقييد #الصين بينما تواصل الولايات المتحدة الاحتفاظ بعشرات آلاف الجنود في المنطقة؟ وهل تعاود المنطقة دفع الأكلاف نفسها ثمن تلك الاستدارة؟

انطلق النقاش الأساسيّ من الحرب العراقيّة المكلفة التي كبّدت الأميركيّين الكثير على الصعيدين البشريّ والمادّيّ. تضاف إليها الحرب الطويلة في أفغانستان والتي انتهت إلى نتيجة مشابهة. لكن بما أنّ التركيز على الشرق الأوسط الذي لا يشمل في حدوده أفغانستان، سيقتصر الحديث على حرب العراق إضافة إلى دول الخليج العربيّ وشرقيّ المتوسّط.

النفط

بعد اكتشاف تقنيّة التصديع، ضمنت الولايات المتّحدة استقلاليّتها على مستوى الطاقة لحوالي قرن من الزمن. بالتالي، بات تأمين موارد الطاقة في مياه الخليج العربيّ يحتلّ مرتبة أدنى على مستوى أولويّات الأمن القوميّ الأميركيّ. تُعدّ هذه الحجّة واحدة من تلك التي يستخدمها دعاة الانسحاب الأميركيّ من الشرق الأوسط. يعارض كوك هذه النظريّة كاتباً أنّ نفط الشرق الأوسط لا يزال مهمّاً بالنسبة إلى الأميركيّين.

مع ذلك، هو يدعو إلى إبقاء مجموعة أصغر من السفن الحربيّة الأميركيّة تكمّلها المقاتلات المنتشرة في القواعد الجوّيّة على امتداد المنطقة. بالنسبة إلى الباحث، تضمن هذه الخطّة مسألتين: حماية الملاحة البحريّة وتدفّق النفط من جهة، وعدم حصول اندفاعة أميركيّة نحو إطاحة النظام الإيرانيّ، بما أنّ حجم الأصول الأميركيّة العسكريّة في المنطقة لا يسمح بحدوث ذلك.

لا يتّفق جميع الباحثين مع نظريّة تحجيم الحضور الأميركيّ العسكريّ في مياه الخليج. الأكاديميّ في “معهد المشروع الأميركيّ” فريديريك كايغان أشار إلى أنّ الاستغناء عن الغوّاصات أو قاذفات القنابل، لا يشكّل عمليّة ردع مكتملة ضدّ إيران. فهي تعير أهمّيّة كبيرة لوجود أو غياب حاملات الطائرات والأصول العسكريّة الضخمة في المنطقة.

إنّ زيادة الوجود العسكريّ المرئيّ يدفع إيران عادة إلى التراجع عن التصعيد. وتابع كايغان في صحيفة “ذا هيل” أنّ هذا الحضور يوفّر على واشنطن الوقت في بناء قدراتها العسكريّة التي قد تحتّم التطوّرات المتسارعة بناءها في ساعات لا أيّام أو أسابيع. كذلك، إنّ مجرّد وجود هذه الأصول الضخمة يظهر لطهران نيّة واشنطن في التحرّك.

مخاوف مبالغ بها

بمعنى من المعاني، قد تتحقّق مخاوف كوك من أن تحفّز قاذفات القنابل وحاملات الطائرات والمدمّرات صنّاع القرار في واشنطن على التحرّك عسكريّاً ضدّ إيران في حال شنّها اعتداء في المنطقة. لكنّ احتمال شنّ هجوم أميركيّ غير متناسب مع الاعتداء الإيرانيّ المفترض ضئيل. حتى بوجود إدارة سابقة يرأسها دونالد #ترامب، كانت النزعة نحو توجيه ضربة إلى إيران مقيّدة إلى حدّ بعيد.

يمكن ذكر مثلين في هذا السياق: إسقاط مسيّرة أميركيّة ضخمة فوق مياه الخليج في حزيران 2019 والهجوم الكبير على منشآت “أرامكو” النفطيّة في أيلول 2019. لم يستدعِ أيٌّ من هذين الحدثين ردّاً عسكريّاً. يدرك صنّاع القرار في واشنطن، أكانوا جمهوريين أو ديموقراطيّين، وجود رغبة متقلّصة لدى الشعب الأميركيّ في شنّ حروب خارجيّة. هذا وحده كافٍ لتقييد أيّ خطوة عسكريّة مبالغ بها. يمكن إدراج اغتيال قاسم سليماني كشكل من أشكال الاستثناء الذي حتّمته ظروف محلّيّة.

فالتظاهرات التي حاولت اقتحام السفارة الأميركيّة في العراق واغتيال متعاقد أميركيّ سابق بفعل سقوط قذائف على قاعدته، أعادت إلى أذهان ترامب الهجوم على القنصليّة الأميركيّة في ليبيا سنة 2012 وما نتج عنه من ضحايا أميركيّين، من ضمنهم السفير كريستوفر ستيفنز. لم يكن بإمكان ترامب تحمّل أن يكون نسخة ثانية عن أوباما فأمر بعمليّة الاغتيال. لكن في جميع الأحوال، لم تعد الأصول الأميركيّة الضخمة مثيرة لردود فعل مبالغ بها في العاصمة الأميركيّة.

وبالعكس، حين كانت قاذفات القنابل “بي-52” ومدمّرات “يو أس فينسنز” في المنطقة خلال الشهرين الأخيرين، بدت الأجواء أكثر هدوءاً. على أيّ حال، ستظلّ أفكار تأمين الردع في الخليج العربيّ خاضعة للنقاش، على الأقلّ ضمن الفريق الذي لا يزال يعتقد بأهمّيّة الحضور العسكريّ في المنطقة.

خطأ فادح لا يُصحَّح بخطأ فادح آخر

يواصل كوك الدفاع عن هذه النظريّة عبر الإشارة إلى أنّ الذين يعارضون الحرب في #اليمن، يتجاهلون أنّ أحد أسبابها الأساسيّة كان شعور السعوديّة بتخلّي واشنطن عن المنطقة في عهد باراك أوباما وأنّ عليها تأمين مصلحتها القوميّة بنفسها أمام انقلاب الحوثيّين المدعومين من طهران.

من جهة ثانية، يشير كوك إلى أنّ فكرة الانسحاب الأميركيّ من المنطقة سبق أن تمّت تجربتها في 2011 وقد أدّت سريعاً إلى ظهور داعش. ويكتب أنّ مشكلة الجماعات الإرهابيّة في المنطقة لا تكمن في الوجود الأميركيّ وهي تدعو إلى العنف ضدّ “الكفّار” و”المرتدّين” بصرف النظر عمّا إذا كانوا يحتلّون أراضيَ أم لا.

وشكّل الهجوم الإرهابيّ الذي ضرب أمس العاصمة العراقيّة والذي أدّى إلى مقتل ما لا يقلّ عن 32 شخصاً وجرح 110 أشخاص تذكيراً للأميركيّين بأنّ الحرب على الإرهاب لم تنتهِ وأنّ سحب القوّات الأميركيّة لا يزال مبكراً. بالنسبة إلى كوك: “لقد كان اجتياح 2003 خطأ استراتيجياً فادحاً – لكن هكذا سيكون أيضاً تركُ العراقيّين لضراوة الإرهابيّين والنظام المجاور”.

يرى الباحث أيضاً أنّ الفراغ الذي تركته واشنطن في الشرق الأوسط ملأته روسيا والصين، “وهو تطوّر سلبيّ ليس لواشنطن وحسب بل أيضاً لشعوب المنطقة”، كما أدّى أيضاً إلى تصاعد التوتّرات في شرق المتوسّط بين #تركيا وجيرانها. وأضاف أنّ إنهاء الوجود العسكريّ الأميركيّ في الشرق الأوسط سيكون “نعمة”، لكنّه لا يعبّر عن سياسة صائبة، بما أنّ الأكلاف ستفوق المنافع.

البحث عن التوازن الصعب

يريد كوك تحجيم الأهداف الأميركيّة: لا نشر للديموقراطيّة ولا إطاحة للأنظمة. هو يطمح إلى حدّ أدنى من الاستقرار الأمنيّ قائم على التعاون الاستخباريّ بين واشنطن وحلفائها بعيداً من نظريّة “كسب العقول والقلوب” التي عملت عليها الإدارات السابقة. تبقى مسألة كيفيّة إدارة التوازن العسكريّ الأميركيّ بين الشرق الأوسط وآسيا. لم يتطرّق كوك إلى ذلك. لكنّ كايغان، من “معهد المشروع الأميركيّ”، دعا إلى زيادة الإنفاق الدفاعيّ بدلاً من التضحية بالشرق الأوسط لصالح مواجهة الصين.

الباحثان في “مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّات” جون حنا وبرادلي بومان كتبا في أيّار الماضي أنّ هذا التوازن صعب. وذكرا في مجلّة “فورين بوليسي” صعوبة إيجاد التوازن الحقيقي بين ردع إيران والصين حتى بالنسبة إلى أفضل جيش في العالم. لكنّهما ذكّرا بواقع أحدَث من انسحاب 2011. في 2018، سحب البنتاغون أربع بطّاريات باتريوت وحاملة طائرات من الشرق الأوسط باتّجاه آسيا. بعد الهجوم على منشآت “أرامكو”، عاود البنتاغون إرسالها إلى الخليج.

أشهر قليلة، ويدرك العالم ما إذا كانت إدارة بايدن قادرة على إيجاد هذا التوازن، أم ستضطرّ في نهاية المطاف إلى التضحية بمصلحتها في منطقة لصالح حمايتها في منطقة أخرى. وبالتالي، سيدرك أيضاً ما إذا كانت الإدارة قد تعلّمت أقلّه من تجربة 2011 أم لم تفعل.