ماذا فعل مار مارون؟ الشعب المارونيّ يتطوّر… والمناقشة بدأت

هالة حمصي
النهار
17022018

راهب ماروني يسجد في كنيسة دير مار يوحنا مارون في كفرحي- البترون (الاب شادي بشارة وريتا عطية).

لا تهم الارقام الرهبان الموارنة، ولا يتكلمون عليها، “ولا خشية لدينا”. آلاف في بداية الحياة الرهبانية المارونية، بضع مئات اليوم، وان يكن. “ما يعنينا هو حمل همّ الانجيل والكنيسة بضعفنا”، على قول استاذ اللاهوت المتفرغ في جامعة الروح القدس-الكسليك الباحث في تاريخ الحياة الرهبانية وروحانيتها الاب الدكتور ايلي قزي لـ”النهار”. نحو 1650 عاما تمرّ، و”منطق مار مارون لا يزال مستمرا حتى اليوم”.

ماذا فعل مار مارون؟ كتاب الكنيسة المارونية ينفتح، وتحضر “ذهنية الموارنة” وسخاؤهم الرهباني على مدى قرون، وقد وصلوا به الى اراض بعيدة جدا. من رهبانية اولى قبل نحو 3 قرون الى نحو 19 رهبانية حاليا، للرجال والنساء، و28 ابرشية في لبنان ومختلف ارجاء العالم. ما يلمسه قزي هو ان “البعد النسكي لا يزال موجودا في قلوب الموارنة”. واذا كانت “الحياة الرهبانية المارونية لا تزال جذابة”، فان “تطور الموارنة” يستوجب، في رأيه، ان “يطوروا مفهومهم لهويتهم المارونية، وإلّا يُخشَى ان يقعوا في التقوقع والتعصب والايديولوجية”. ماذا بعد احتفال الموارنة بعيد “ابي كنيستهم” في 9 شباط؟

هامة مار مارون في دير مار يوحنا مارون في كفرحي (الاب شادي بشارة).

 

سخاء… وبعد نسكي 

تاريخ دسم للكنيسة المارونية منذ قرون عدة، بكل طلعاته ونزلاته. في قراءته له، يجد قزي ما يثير الاهتمام، تحديدا “هذا السخاء الماروني في الدعوات الرهبانية”، منذ البداية. “نلاحظ ذلك في الدعوات الرهبانية من الموارنة الذين انضموا الى الرهبانيات اللاتينية في لبنان، قبل ان يعرف الموارنة الرهبانيات في شكلها القانوني”، على قوله.

الى جانب هذا السخاء “اللافت”، بتعبيره، هناك “قبول لدى الموارنة للتغيير والانفتاح”، اي ان لا مانع لديهم في “الخروج من كنيستهم- وليس عن كنيستهم، رفضا لها- وفي الانجذاب الى روحانية معينة او طريقة حياة معينة لم يجدوها في كنيستهم واتباعها”. في هذا السلوك، يرى كباحث متعمق في تاريخ الكنيسة المارونية، لا سيما الرهبانية اللبنانية المارونية، وهي اولى الرهبانيات المارونية، “دليلا على تنوع وانفتاح وقبول لدى الموارنة بما هو غير ماروني”.

هذا الامر يستوجب تنويها في رأيه. في الكلام على الطائفة، “الموارنة ليسوا طائفيين، بل هم ابعد واوسع من الطائفة”. تجتمع فيهم الجذور والارض والتاريخ، و”الثقافة” ايضا. “ثقافيا، انهم منفتحون على الآخر وعلى قبوله والانخراط فيه ومعه. والدليل على ذلك ان الموارنة في الاغتراب يشكلون حاليا نواة مهمة… الماروني هو ابن الكرة الارضية”.

الاب ايلي قزي عند مدخل دير سيدة الحصن في غوسطا (النهار).

هذه هي “ذهنية الموارنة”، وفقا لما يرصدها ويبيّنها قزي. يضيف اليها المجتمع “النسكي” للرهبان الموارنة. “الشعب الماروني تمتع على مر القرون بثقافة روحية معينة، علمها الآباء الابناء، والابناء نقلوها الى ابنائهم. اهلنا عاشوا في بعد نسكي. وعلامة على ذلك، نرى المؤمنون الموارنة يقصدون الاديرة ليصلوا مع الرهبان صلواتهم”.

هذا الامر “الجميل” بتعبيره يعني ايضا ان “ثقافة المجتمع الماروني ثقافة رهبانية. حتى لو كنا نشهد اليوم ثقافة استهلاكية او رقمية، يبقى هناك حنين لدى كل لبناني ماروني الى البعد النسكي. وهذا ما يطرح لدي تساؤلا: لماذا يزدحم الناس في دير مار مارون عنايا ومزار سيدة لبنان في حريصا؟” ما يستنتجه من ذلك هو ان “الشعب الماروني يحتاج الى امر آخر، في ظل الحضارة التي يعيش فيها اليوم. ويجد هذا الامر في السكينة والصلاة والابتعاد عن الضجيج، والتي هي بعد نسكي”.

دير و”ميزان”  

ما يستنتجه ايضا قزي هو ان “الحياة الرهبانية ليست حكرا على رهبانيات او رهبان. بل هي من ثقافة المجتمع الذي نحن فيه. ونعيشه بطريقة او باخرى”. يضيف الى ذلك “جغرافية لبنان التي توحي بالتعبد والانفراد وتمجيد الله”، وايضا “عدم التعاكس بين الرهبانيات المارونية والمجتمع الماروني، اي ان ما تعيشه تعيشه ايضا مع المؤمنين. وبالتالي لم تجد الرهبانية اللبنانية المارونية، لدى انطلاقها في اواخر القرن السابع عشر، صعوبة كبيرة في تعليم طالبي الترهب الطرق الرهبانية، لانهم كانوا يعرفونها”.

دير ما يوحنا مارون في كفرحي- البترون (الاب شادي بشارة).

من خصوصيات المورانة انه “لم يكن هناك، منذ البداية، طلاق بين الحياة الرهبانية وحياة المجتمع. وفي الوقت نفسه، هناك متطلبات اكثر، اجتماعية ونفسية وانجيلية، لدى الترهب والعيش في الدير”. اهمية الدير الماروني، عبر العقود، احد المواضيع الكثيرة التي يتناولها قزي في ابحاثه ويشدد على اهميتها. “الدير اصبح نواة مهمة للمجتمع حوله. اي ان الشركاء قربه كانوا يعملون في املاكه، واولادهم تعلموا على يد رهبانه، وكانوا يرجعون اليه في حياتهم الروحية. وهذا يبين ان الرهبان الموارنة لم ينغلقوا على ذاتهم. صحيح ان الرهبانيات المارونية تأسست على الا يكون لرهبانها اختلاط بالعالم الخارجي، غير ان الدير اصبح جاذبا، وجرسه ميزان البلدة والرهبان معا”.

والوجهة نمو مشترك. “صحيح ان الرهبان الموارنة كانوا يفتشون عن تنمية الذات بالمسيح، ولكن ليس لوحدهم، اي انهم نموا مع المجتمع الذي كان حواليهم”. وكان لهذا الامر، في رأيه، “صدى كبير ومهم جدا”. ويقول: “اهمية هذه الرهبانيات تكمن في ان الدير اصبح، مقصدا، وايضا مدرسة… هذه الحياة الرهبانية لم تبدأ لتنزوي”.

في باحة دير مار يوحنا مارون في كفرحي (الاب شادي بشارة وريتا عطية).

منطق مار مارون  

مار مارون أبو الموارنة. والعبرة منه وفيه. “ماذا فعل؟ كان شخصا ترك المجتمع، وعاش على تلة ليحارب ذاته، ميوله، واهواءه، ليس بهدف المحاربة والانتصار، بل بهدف اكتشاف المسيح والنمو فيه. لم يؤسس رهبانية او مؤسسات. ولانه نضج، وملأته محبة المسيح، اصبح قادرا على ان يشع بالمسيح، وبات جذابا. لم يرفض من قصدوه. ووفقا لما كتبه عنه تيودوريتُس القورشي، كان يشفي من امراض النفس والجسد ويعلم. اهمية سيرة كل تلاميذه انهم كانوا ايضا معلمين”.

على خطى مار مارون، نما الرهبان الموارنة وعملوا وانتشروا. “نفهم المسيح من خلال الانجيل، ونتبعه في الكنيسة ضمن رهبانيات، ونحب القريب ونهتم به، وفقا لمتطلبات العصر”. وهذا يعني ان منطق مار مارون “لا يزال مستمرا حتى اليوم”. ويتدارك: “المنطق الذي عاشه مار مارون في عصره اقتدت به الرهبانيات المارونية في عصرها. رهبانها يعيشون حياتهم الديرية، ويتطورون مع المجتمع، واداؤهم يتطور مع اداء المجتمع”.

الأمر ليس خافياً على أحد. ما يشهده المجتمع الماروني حاليا تطور “استهلاكي، وفي كل شيء”. هل البعد النكسي للموارنة في خطر؟ يجيب: “على الصعيد الواسع، وبأخذ طريقة عيش الشباب اليوم وحالة المجتمع في الاعتبار، اقول نعم هناك خطر. ولكن اذا دخلنا زوايا كل بيت، اقول لا، لأن مجتمعنا يعيش حالياً حياة ظاهرية. نسمع هموم الناس، ونلمس جيدا من خلالها ان البعد النسكي لا يزال موجوداً في قلوبهم، بطريقة او باخرى، وان هناك شوقا اليه. غير ان المتطلبات الظاهرية والتمثيلية للمجتمع تفرض ان يكون المرء سطحيا”.

الكنيسة القديمة في دير مار مارون عنايا (الاب شادي بشارة).

لبنان بيحمل من عظام القديس مار مارون شفيع الكنيسة المارونية

لبنان بيحمل من عظام القديس مار مارون شفيع الكنيسة المارونية. من دير مار يوحنا – مارون، البطريرك الماروني الأول، في بلدة كفرحي البترونية، الحاوي ذخائر مار مارون الثمينة، والشاهد على الإيمان المسيحيّ عبر الأجيال. هنا هامة القديس مار مارون، شفيع كنيستنا المارونية، التي ساهمت في تكوين لبنان وطن الرسالة، نكرمّه ليشفع بنا عند الله. ونسعى أن نقتفي سيرة حياة أبينا مارون، كي تظلّ كنيستنا ثابتةً في إيمانها ويبقى لنا لبنان أرض الإيمان للإنسان، وقيم الحضارة والمحبّة والسلام. لمشاهدة الفيديو بجودة عالية الرجاء الضغط على HD في اسفل الفيديو من جهة اليمين. حتى نتعرف اكتر مكان ذخائر القديس مارون الرجاء نشر الفيديو ( الترنيم، والترتيل: من إسطوانة صلاة المساء والصباح للقديس مارون، إعداد وإشراف وإدارة الاب أنطوان طحان، تصوير الاب شادي بشارة وريتا عطيه )

Posted by Pere shadi beshara photographer on Wednesday, February 7, 2018

هوية واكثر 

نحو 19 رهبانية مارونية، للرجال والنساء، تعد حاليا الكنيسة المارونية، وفقا لموقع البطريركية المارونية، اضافة الى 4 ابرشيات بطريركية، 24 ابرشية في لبنان ومختلف ارجاء العالم، واكسرخوسيتين و4 وكالات… نمو ماروني محلي وعالمي، وانتشار واسع. و”لأن الموارنة تطوّروا، من الضروري ان يطوروا مفهومهم لهويتهم المارونية، وإلّا يُخشَى ان يقعوا في التقوقع والتعصب والايديولوجية”. المناقشة في هذا الشأن بدأت، و”تتم على صعيد حلقات صغيرة”. وهي ضرورية، بتعبيره، خصوصا ان الموارنة يعيشون في مجتمع مأزوم منذ زمن بعيد، وعلى اصعدة مختلفة”.

نقطة اخرى. نحو “800 راهب ماروني” حاليا. البداية قبل نحو 4 قرون كانت اكثر بكثير، بـ”آلاف الرهبان”، على ما يُكتَب. ماذا يعني هذا التراجع؟ يجيب: “لا نتوقف عند الارقام ولا نتكلم عليها. ربما تعكس شيئا، ولكن ليس كل شيء. لا نتكلم على الارقام والاعداد، ولا نهول بها. ولا خشية لدينا. القديس شربل وحده يشتغل بقدر كل الرهبان والراهبات مجموعين في لبنان، من دون ان ننسى القديس نعمة الله الحرديني والقديسة رفقا والطوباويَّين يعقوب الكبوشي وإسطفان نعمه، والاب بشارة ابو مراد…”. ويتدارك: “لا ازمة دعوات رهبانية لدى الموارنة. وما يعنينا، ليس الارقام، بل حمل همّ الانجيل والكنيسة بضعفنا”.

(الاب شادي بشارة)

دير سيدة القلعة في منجز العكارية (الاب شادي بشارة).

ما تبرزه حاليا العائلة المارونية، “تنوع في الطرق الرهبانية”، على ما يرى. ويؤمن “بعمل الروح القدس في هذا الشأن”. واذا كانت الرهبانيات الثلاث الكبيرة “اخذت تقليدا واحدا وتراثا واحدا”، فان الكنيسة تشهد حاليا تأسيس رهبانيات جديدة في لبنان وخارجه، تتبع “تقاليد واشكالا جديدة من الحياة الرهبانية، تختلف عن التقليد الذي نمت فيه الرهبانيات المارونية الاولى”.

وهذا يعني، في رأيه، ان “الحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية لا تزال جذابة”. “لقد وصل التطور في الحياة الرهبانية المارونية الى حد ان تقبل الكنيسة اشخاصا من طقوس اخرى يتبنون الحياة الرهبانية كموارنة، ضمن الطقس الماروني، بتأثير من القديس شربل. الكنيسة تقبل ان تفتح الباب امام اختبارات رهبانية من هذا النوع”. بالنسبة اليه، هناك “عمل الله والروح القدس في الكنيسة. والكنيسة المارونية تصغي اليه، في اختياراتها ونموها”.

Hala.homsi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*