ماذا فعلت بنا يا جورجي زيدان؟

واسيني الأعرج 
القدس العربي
19062019

الرواية التاريخية، موضوع لا ينتهي أبداً. لهذا، العودة إلى هذا النوع من جنس الرواية واختباره يفرض علينا ضرورة الفهم وصياغة ليس التاريخ، وليس الرواية، ولكن العلاقة الرابطة بينهما. وقد وفرت الأيديولوجية العربية القومية السبل لممارسة هذا النوع الروائي في سياق الصراع مع الغرب وإثبات الذات المهزومة أمامه. فقد كانت هذه الأيديولوجية هي الحاضنة التي تربى فيها هذا النوع المشبع بالتاريخ، والذي لم يكن مرفوضاً مطلقاً بالخصوص في استعمالاته التربوية، التي لم تعط ثماراً كبيرة كما سنرى مع جورجي زيدان.
يجمع مؤرخو الأدب العربي على أن سليم البستاني، وجورجي زيدان، وأنطون فرح، ويعقوب صروف، وأمين ناصر وغيرهم هم من تنبـــه لجدوى هذا النوع في الحقل الأدبي العربي.
فجعلوا من التاريخ مادتهم الأدبية، مع العمل على عنصر الترويح والتسلية. قبل أن يسير على خطاهم الجيل اللاحق الذي جعل من التاريخ العربي الإسلامي مادته المرجعية، دفاعاً عن الذات القومية في مواجهة غرب استعماري كان في عز تطوره وأطماعه الاستعمارية.
وهو ما فعله عادل كامل، ونجيب محفوظ، وعبد الحميد جودة السحّار، ومحمد فريد أبو حديد، وعلي أحمد باكثير، وعلي الجارم وغيرهم. لكن وعي وظيفة الرواية التاريخية كان محدوداً، لأن ذلك كان يحتاج إلى قدر كبير من التخلي عن الأيديولوجية القومية حتى لا تتحول الرواية إلى مجرد وثيقة دفاعية عن تاريخية هذه القومية وأهليتها.
هذا ما جعل الرواية التاريخية عربياً تواجه إشكالات عديدة ومعقدة، مرجعها فهم ليس دقيقاً بتعريف الرواية التاريخية. كثيراً ما طُلب من الروائي العربي الوفاء للوثيقة أو للمعلومة التاريخية وكأن وظيفته هي حراسة التاريخ وتوصيله للنشء تعليمياً كما هو، أو كما دوِّن، وكأن الذي دون التاريخ كان وفياً؟ ولم يكن تحت سطوة المنتصر.
نعرف جيداً أن التاريخ العربي غير موضوعي مطلقاً لأنه محكوم بالسلالات الحاكمة التي يهمها تبييض صورتها، والمؤرخ حاضر للقيام بذلك، ويطلب من الروائي بشكل مباشر أو غير مباشر أن يكون وفياً لما قاله المؤرخ، فيتحول إلى مجرد مردد للمعلومة أو الوثيقة، وفي هذا هدر للجهد الروائي؛ لأن ذلك ليس عمل الروائي ولا علاقة له به، فهو لا يردد التاريخ، بل يصنع من منطلق المادة المختبرة معماره التخييلي الذي لن يكون في نهاية المطاف إلا رواية، بلا مرجع ثابت يهدف من خلال الرواية إلى اختبار صدقه من كذبه. يرى في هذا السياق الناقد التونسي محمد القاضي، في كتابه عن الرواية التاريخية، أن التاريخ في نهاية المطاف له وظيفة نفعية لتفسير الظواهر التي تغيرت بموجبها المجتمعات، بينما السرد في السياق الروائي والقصصي تحديداً هو خطاب جمالي تقدم فيه الوظيفة الإنشائية على الوظيفة المرجعية.
فالمؤرخ يظل متحركاً في مجال المرجع، أما الروائي فإنه، وإن رجع إلى الواقع ماضياً أو حاضراً، يظل خطابه مندرجاً في حقل التخيل. فالتاريخ يقدّم نفسه على أنه انعكاس وصياغة لفظية لأحداث واقعة، أما الرواية فتقدّم على أنها إبداع وإنشاء لعالم محتمل. على الصعيد النظري يمكن للأمر أن يستقيم.
ويطرح على بعض نقادنا العرب الذين كثيراً ما نصبوا المشانق للروائي وطلبوا بما ليس من اختصاصه أو فعله الإبداعي. وربما كان هنا مقتل جورجي زيدان الذي يعتبر عربياً المؤسس الكبير لهذا النوع من الرواية. من منطلق الوظائفية والتعليمية أنشأ هذا النوع لتعليم النشء الذي ابتعد عن تاريخه. ونسي أن التاريخ الذي كان يحاول تعليمه لم يكن تاريخاً حقيقياً، فليس إلا صيغة/ صيغ المنتصر في النهاية.
وحاول من باب إغراء القارئ أن يدس قصة عاطفية في عمق النص، يمكنها أن تجعل هذا الأخير يطلع على المادة التاريخية وكأنه جرعة دواء لا بد من شربها مع قليل من السكر. الخطأ في فهم الرواية التاريخية العربية كان منذ تلك اللحظة. في التسعينيات أجريت استبياناً في جامعة الجزائر المركزية وأشركت فيه بعض أعضاء فرقة البحث RASEF (الرواية العربية، المجتمع والأشكال)، التي كنت أديرها وأشرف عليها مع طلبتي وبعض زملائي الأساتذة، وقمنا بعمل إجرائي يتوخى قدراً من العلمية، ولكن بشكل أمبريقي، تجريبي بسيط.
سلمنا السلسلة الروائية لجورجي زيدان كاملة للطلبة من السنة الأولى حتى الثالثة، حتى في بعض الأقسام النهائية في الثانويات، وطلبنا من كل طالب أو تلميذ أن يقرأ رواية واحدة، ويجيب عن السؤال التالي» ماذا بقي في ذهنك من الرواية؟ وبعد الانتهاء، جمعنا وثائق الطلبة والتلاميذ وبدأنا في فرزها وقراءتها، ودراستها. النتيجة في المحصلة، والتي كانت مجرد فرضية، ركزت الإجابات على أمرين: أولاً، التركيز على المادة العاطفية وتوصيفها بدقة وكأنها هي الرواية. ثانياً، الإهمال الكلي للمادة التاريخية وكأنها مادة ثقيلة على النص ولا وظيفة عملية لها. بهذا المعنى، فقد فشل مشروع جورجي زيدان كلياً، ولم تؤد هذه الطريقة التي اعتمدت الفصل بين كتلتين افتراضيتين في عمق النص الواحد، التاريخ والقصة العاطفية، إلى أية نتيجة تربوية. لم تفد العملية، على الرغم من نبلها، الطالب أو التلميذ في شيء. فقد كان هدف جورجي زيدان تعليمياً لا أكثر، مع افتراض أن ما تم تدوينه من التاريخ العربي صحيح، فهزم المشروع من أساسه.
هذا الوضع لم يتم التخلص منه حتى اليوم. بعد تأمل شديد للرواية التاريخية في العالم، من الصين إلى اليابان، من بريطانيا إلى أمريكا، ومن السويد إلى روسيا، من ألبانيا إلى العالم العربي، ومن التقاليد الروائية الأوروبية المعروفة بمنجزها الروائي الكبير، يبدو لي أننا ما زلنا نتأرجح بين، هل ما نكتبه تاريخاً، أم هو نسف للتاريخ بالوسيط التاريخي الإبداعي؟ إن وظيفة المتخيل الأساسية هي تحرير التاريخ من نفسه، تهويته من كذبه، ومن انضباطه الأفقي، والنزول به عميقاً نحو قاع الذات الإنسانية المعقدة التي يقف التاريخ حيالها مرتبكاً وعاجزاً، إذ لا تهمه في التحليل إلا قليلاً، تاركاً إياها لعلم آخر هو علم النفس، أو حتى للأدب، معترفاً بحدوده الموضوعية، ولكن أيضاً تحريره من يقينه وخطاباته التي استقرت على حقائق ليست في النهاية إلا احتمالات المنتصر الذي دوّن التاريخ وفق إملاءاته.

كلمات مفتاحية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*