ماذا حدث؟ دبّرها “أبو جورج”!

“ثلاثة اخطار كبرى تهدد لبنان: الطائفية والماعز والسياسة، لأنها جميعاً تأكل الأخضر واليابس”.

واصا باشا، المتصرف

تزاملت خلال عملي في جريدة “الرأي العام” الكويتية مع مدير المطبعة الذي لم نعرفه إلا بكنية التحبب “أبو جورج”. وكان ذلك كافياً. تمر به في المطابع، فإذا ابتسامته تسبقه على الدوام. وكان عند أبو جورج “محط كلام”، يسبق أيضاً ابتسامته. مهما طلبت منه، يكرر قولاً واحداً: “بتتدبر، في شي ما بيتدبر؟”. بالفعل كانت أكثر الأشياء “تتدبر”، أما ما هو فوق طاقة، أبو جورج أو صلاحياته، فينسى هو الطلب ونتناسى التلبية. وذات مرة التقيته في رواق المطبعة فتجاوزني مسرعاً، ودفع الباب أمامه فارتد عليه ولطم وجهه. وهم بأن يشتم أم وأب وأخت الابواب، لكنني اعترضت قائلاً: “أبو جورج. بتتدبر”. ولم يضحك أبو جورج. ألم وإهانة معاً.

دائماً نصل الى الحافة، ثم “تتدبر”. وأستخدم هذا المصطلح بالتحديد لأنه يعبّر في دقة عن مسلسل الوشكيات التي نحن فيها منذ سنين. ولا أعرف على وجه الضبط إن كنا نحن من ورث التعبير عن الفرنسيين، أم انهم نقلوه عنا: SE DEBROUILLER والمقصود بهذه “اللطافة اللغوية” أن المسألة لم تحل، ولن تحل، ولا حل لها. لكن صفو الخواطر أهم من زغل الحقائق. لذلك، إذا اختلف شقيقان في منزل ولم يستطع الأب العثور على حل، اقترح صيغة غير مقبولة من أحد وقال: دبروا حالكم!

نام لبنان ليلة الجمعة على وسادة مخاوفه القائمة منذ فترة: الكارثة المالية الموشكة، النزاع السياسي المتوسع والمشين، الاحتقان التفجيري بعد قبرشمون، بيان لا سابقة له من السفارة الاميركية، ورئيس الجمهورية يُعلن أنه ليس رئيس عشيرة ولا حاكم صلح، لأن القضية قضية محاولة اغتيال صاحب أكبر كتلة نيابية، وكتلة وزارية، وصاحب الوعد بالجنة.

مَن لا يخاف؟ في الخوف، تلجأ الناس تلقائياً الى حضن الأب. لكن في هذه الحال، الأب غاضب هو أيضاً. فالمؤامرة بلغت العائلة المباشرة، وفي العائلة أعز من فيها وأولى. وهكذا ازداد البلد الخائف خوفاً. وسُدت الأبواب. وهبطت الاستار الحديد على المنافذ والنوافذ. وعندما تقصف بالبلد العواصف الهوجاء، يسارع “الاستاذ” الى تلقفها قبل أن تتحول اعصاراً. و “الأستاذ” هو تلميذ الامام القائل “آلة الرياسة سَعَةُ الصدر”. لكن في ذروة الهياج الميلودرامي، لم يجد “الأستاذ” أمامه سوى صدور ضيقة وناس خائفة تتلفت مثل عصفور الذعرة، بحثاً عمن يرفع الوطن عن القارعة.

هذه المرة كانت الحافة أقرب بكثير مما تبدو في المرآة. الجميع طرف، بمن فيهم الرئيس. والقضاء الذي هو موضع احتكام، أصبح طرفاً هو، بعدما كان زوجة القيصر وخارج التداول.

مع تراكم كل هذه المخاوف والاخفاقات وعناصر التفجّر واستحالة الحلول، لم يبق سوى أن نتدبر. SE DEBROUILLER . وفي يوم واحد، هو يوم الجمعة المبارك، التاسع من آب، الواقع بعد يوم واحد من السابع منه، لقاءان في بعبدا: الرؤساء يتصالحون على اقتصادنا، ويتصالحون على أمننا الوطني. ومن خلف الجميع تعلّق ظلال قبرشمون، الذي قال جان عبيد، هذا العقل الوطني والحكمة الأهلية، أن من الافضل للجميع اغلاقه، لئلا تفتح قبور اخرى.

لا تقول العامة في الخليج في مديح رجل مرجعي، “عنده قدرة”، بل “عنده دبرة”. أي عنده تلك الخبرة الوسطية في ادارة الصعوبات وجمع الاباعد والنقائض والأضداد. وماذا تطلب الناس من قادتها وحكامها؟ لا يذكر الاميركيون لروزفلت أنه ربح الحرب العالمية، بل انه انتشل أميركا من الركود القاتل. ولا تذكر فرنسا لديغول أنه انقذها من الاحتلال بقدر ما انقذها في كرامة الفرنك وتحويلها دولة صناعية.

ملحق “النهار” الصناعة يوم الخميس الماضي، كان شهادة مفزعة على الانفصام الوطني: لبنان المجتهد العامل المبدع والمنتج، ولبنان المثرثر، البليد، المتبلد، المعيق. واحد يزيل الصعوبات وواحد يزيدها. واحد يصدّر للعالم، وواحد يفتش عن دخله في الاركيلة، بدل أن يحظر هذا دمار التنبل والتنباك.

54 صفحة عن عالم لا تصدق انك حقاً تعيش فيه. عالم من المواهب والشركات العائلية والمهن الموروثة، بعضها منذ أكثر من قرن، يعمل ويصارع وينتج، في مناخ فوضوي وعدائي ونظام سقيم وبلا أي حماية أو مساندة أو أمان.

هذا هو لبنان الذي يحيي لبنان المتبطل. لبنان السياسات الفارغة والسياسيين المغمّسين بالفساد. واحد يعمل للحياة والخلاص، وواحد لا يبشر إلا بالموت والخراب والفقر والافلاس. أكبر وألدّ عدو للبنان التاريخي، المنتج والمبدع والقابل للحياة، هو لبنان الخمول واللغو والسطو. لبنان الذي أصبحت فيه حسناتك الوحيدة سيئات خصمك. أما الحسنات نفسها فلا حساب لها في المقاييس. لقد اعتدنا العيش في زمن بلا خصائل.

كيف تحدث المعجزة دائماً، ولماذا تقع دوماً مع خيوط الفجر؟ ليس مهماً أن نعرف. المعرفة همّ آخر، خيبة أخرى. سعيد من ينام مبكراً قبل نشرة الخبار. أو يكتفي بالموجز. ما هو وصف الحالة الوطنية التي يصبح فيها لقاء الرؤساء فرحاً ومنّة وعيد استقلال جديد؟

يروي قاضٍ كبير أنه في العام 1951 وقعت حادثة في الباروك ادّت إلى مقتل ضابط ومواطن. وعلت أصوات تطالب بإحالة المسألة على المجلس العدلي، فاصدر مدعي عام التمييز بياناً يقول فيه: لا يحاولنّ أحد التمسيح بالعدلية!

إذا كنا لا نثق بالقضاء العادي، فكيف يمكن ان نثق بالقضاء الاستثنائي؟ وما الذي يجعل جريمة كبرى مثل جريمة قبرشمون تحال على المحكمة العسكرية، في وجود

سائر المحاكم المدنية الكبرى؟ لقد هددت الجريمة وأسبابها ومضاعفاتها سلامة الناس جميعاً، أليس من حقهم أن يعرفوا ماذا حدث؟ أليس من حق هذا الشعب الذي أعيد عن منصة المقصلة، في اللحظة الاخيرة، أن يعرف من اعاده؟ في النهار كان رئيس الجمهورية يرفض أن يكون رئيس عشيرة، وكان رئيس المجلس قد اطفأ محركاته، ورئيس الوزراء قد انهى الاعتكاف، والزعيم الاشتراكي عاد عن رفض الحضور، والامير طلال اكتشف موجبات تقضي بنسيان شهر من اصرار على المجلس العدلي.

ماذا حدث؟ دعك مما حدث. فالمهم انه حدث. تبدد الخوف، إلا مزمنه. الفرح مثل الفرج لا يعمِّر في بلادكم ايها الاخوة المواطنون. لذلك، إذا ضحك احدنا يوم الجمعة تعوذ، قائلاً اللهم نجنا من دموع الأحد. وكلما عثرنا على رجل متفائل وطيب صافي النيات مثل أبو جورج، يظل الخوف قائماً من ان يصفق الباب الدوار في وجهه.

تعودنا ألا نسأل سوى رحمة الله. أما كيف ، ولماذا، ومن، فلا تُتعبوا قلوبكم. كل عام وانتم بخير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*