الرئيسية / مقالات / ماذا جرى حتى تراجع “حزب الله” عن الحملة على المصارف؟

ماذا جرى حتى تراجع “حزب الله” عن الحملة على المصارف؟

الموقف الذي أعلنه نائب الامين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في الساعات الأخيرة، بشأن تحرّك الحزب لمواجهة المصارف، قائلا انه (الحزب)”لم يقرر حتى الآن أن تكون له خطوات في الشارع”، حمل تساؤلات عدة. فهل ثمة خلفيات لهذا الموقف الذي يتضمن تراجعاً وصفه المراقبون بـ”المهم”، إذا ما كان مؤكداً ان التحرك كان وارداً؟

بداية لا بد من التوقف عند ما نشرته صحيفة “الاخبار” الاثنين الماضي، عندما كتبت تقول: ” قرر حزب الله القيام بخطوات عملية لمواجهة العقوبات الأميركية والمتحمّسين لها. تدرس قيادة الحزب خيارات كثيرة، بينها اللجوء إلى الشارع لمواجهة المصارف(…) القرار اتخذ”، بحسب مصادر بارزة في فريق 8 آذار، “لكن آلية الترجمة تخضع للبحث”. وبدا هذا النبأ يتمتع بصدقية، أولاً بسبب صلة الصحيفة المتينة بالحزب. وثانياً، إنقضاء يوم الاثنين من دون أن يصدر تأكيد أو نفي للنبأ من الحزب.

ردود الفعل الداخلية على هذا الموضوع كانت واسعة نظراً الى دقة الظروف التي يمرّ بها لبنان عموما والقطاع المصرفي خصوصا. ويقول احد الخبراء في ملف العقوبات الاميركية على “حزب الله” ان الاخير إذا ما لجأ الى استخدام سلاح الشارع، فهذا سيمثل “أقوى تعبير عن أزمته المالية المرتبطة بأزمة الجمهورية الاسلامية نفسها”. واوضح هذا الخبير لـ”النهار” ان هناك كلاما في دوائر الحزب مفاده انه “لم يعد للشيعة أي نفوذ في القطاع المصرفي بعد إغلاق مصرف جمّال تراست بنك، وبالتالي ليس هناك ما يدعو الى ضبط النفس بالتعامل مع هذا القطاع!”.

ما أشار اليه الخبير بشأن المصرف الذي جرت تصفيته أخيرا بقرار ذاتي بعد إدراج اسمه على لائحة العقوبات التي تنشرها وزارة الخزانة الاميركية، فهو قد ذهب ضحية هيمنة هجمة “حزب الله” على المصرف كي يتولى تسهيل معاملاته المالية في السوق اللبنانية. وكان سقوط المصرف رسالة قوية لعدد آخر من المصارف المحلية التي ترعى شؤون رجال الاعمال الشيعة في لبنان والخارج، لاسيما في القارة الافريقية، كي لا يخلطوا ما بين هذه العمليات، وما يتصل مباشرة بمصالح الحزب.

بدا واضحا ان هناك “شيئا ما ” قد تحرّك في دوائر “حزب الله” على أعلى المستويات في الساعات الـ24 الماضية. وظهرت نتائج هذا التحرّك في البيان الذي صدر عن لقاء الامين العام حسن نصرالله مع رئيس “تيار المردة” الوزير السابق سليمان فرنجيه، إذ جرى فيه التأكيد على “الحاجة إلى تضافر كل الجهود وخصوصا بين الرؤساء الثلاثة والقوى السياسيّة المختلفة للحفاظ على الإستقرار النقدي والمالي باعتباره إحدى ركائز الإستقرار الأمني والسياسي في البلاد”. ولم ترد في البيان أية إشارة الى القطاع المصرفي لا من قريب ولا من بعيد.

أما الموقف الذي تضمّن توضيحا قويا لمقاربة الحزب لدور المصارف، فقد جاء في وقت واحد مع البيان الصادر عن لقاء نصرالله – فرنجيه. فقاسم لفت في تصريح الى أن “حزب الله “، إلى الآن، “يتابع الملف المالي والإقتصادي من خلال عرض آرائه وقناعاته في مجلس الوزراء، ويناقش المشاريع والأفكار، وكذلك سيفعل في المجلس النيابي، ولم يقرر حتى الآن أن تكون له خطوات في الشارع، وإذا قرّر ذلك فقيادته تعلن الخطوات، ولا يستطيع أن يعلن أحدٌ نيابةً عنا أننا سننزل إلى الشارع أو لن ننزل إلى الشارع، هذا أمر مرتبط بخطة عمل نتابعها بشكل حثيث، وفق الأطر المعروفة ولا نستهدف أحداً في لبنان، ولكن نريد أن نعمل لمصلحة لبنان وأن يكون المواطن آمناً في لبنان”.

ما لم يقله الحزب في هذا الملف، تحدثت عنه مصادر شيعية معارضة لـ”النهار” فقالت: “ان القطاعين اللذين يمثلان آخر ملاذين للثروات الشيعية هما العقارات والمصارف. وهذه الثروات نُكبت حتى الآن بخسائر تقدّر بمليارات الدولارات في القطاع العقاري بسبب التراجع الكبير في هذا القطاع والمستمر منذ سنوات. ولم يبقَ سوى القطاع المصرفي ليحمي ما تبقّى من هذه الثروات”.

في مقال غسان العياش الاخير في “النهار” قال ان لدى الحزب “خبراء محترمين يفهمون مسائل المالية العامّة ويمكنهم إسداء نصائح أفضل وأكثر واقعية، نذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، الوزير محمّد فنيش والدكتور عبد الحليم فضل الله. والدكتور فضل الله باحث اقتصادي واجتماعي رصين، وهو رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، وقد كتب في مقال له في آب 2018 أن الخيار الأوّل لمعالجة مشكلة المديونية هو السيطرة على نموّ الدين، “والطريقة المثلى وربما الوحيدة لذلك هي مراكمة الفوائض الأولية، من خلال زيادة الضرائب وخفض النفقات في آن واحد”.

هل من رهان لـ”حزب الله” على زيارة الوفد المصرفي الذي توجه إلى واشنطن لاجراء محادثات مع مسؤولين كبار في وزارة الخزانة الأميركية‎؟ بالطبع لن يكون بمقدور الوفد “أن يحمل بيد واحدة بطيختيّ الحزب والقطاع المصرفي‎” على حد تعبير مصادر مصرفية. وجلّ ما يمكن الوفد ان يسعى اليه هو حماية رأس هذا القطاع في زمن المواجهة الاميركية – الايرانية. ولهذا سيكون الموقف المعلن من الجانب اللبناني هو ‎التزام المصارف اللبنانية المعايير الدولية، وبالقوانين الناظمة لسلامة ‏النقد، ومكافحة تهريب الأموال، وتبييض الأموال ومكافحة الإرهاب‎.

في زمن الشعبويات التي تعصف بالبلاد بأشد من الرياح الحارة التي أشعلت الحرائق في لبنان وسائر شرق المتوسط، بدا “حزب الله” حريصاً على عدم وصول هذه الحرائق الشعبوية الى حساباته الداخلية والاقليمية. ولم يترك الامين العام مناسبة الحرائق تمر من دون التطرق اليها في كلمته الاخيرة في المجلس العاشورائي المركزي، فاعتبر “ان اللبنانيين اثبتوا انهم فوق الاختلافات الطائفية والمذهبية، وعلى الجميع ألّا يحوّلوا ما حصل إلى مقاربات طائفية”. وردَّ مباشرة على النائب في كتلة “التيار الوطني الحر” ماريو عون، من دون أن يسمّيه: “يجب ألّا يحوّلوا هذه الحادثة الى مادة لإثارة الحساسيات الطائفية والمذهبية والمناطقية لأن اللبنانيين أثبتوا أنهم فوق ذلك. القوى السياسية الى جانب الحكومة تتصرّف بمسؤولية كبيرة امام هذا الحدث”.

وكان النائب عون قد رمى شبهة البعد الطائفي على الحرائق، تماما مثلما حصل في موضوع المصارف حيث لا يزال هناك مَن يستعيد شبهة الصراع الطبقي من الزمن السوفياتي البائد.

ahmad.ayash@annahar.com.lb

اضف رد