الرئيسية / أضواء على / ماذا بعد تمديد مطمر الجديدة 3 أشهر؟

ماذا بعد تمديد مطمر الجديدة 3 أشهر؟

ماذا بعد قرار مجلس الوزراء (5/5/2020) التمديد لمطمر الجديدة ثلاثة أشهر وزيادة ارتفاعه متراً ونصف متر؟ بصرف النظر عن التسرّع في اتخاذ القرار تحت ضغط بقاء النفايات في شوارع المتن وكسروان وقسم من بيروت… ما الذي يمكن فعله خلال ثلاثة أشهر؟ وهل يمكن الإفادة من فرصة تراجع الكميات التي تنتج في هذه المناطق من 1200 طن يومياً إلى 500 طن، بسبب أزمة «كورونا»، لاتخاذ الإجراءات اللازمة من التخفيف إلى الفرز، ما يُبقي على هذه النسب منخفضة؟ وهل يمكن الإفادة من الأزمة الاقتصادية وإفلاس الخزينة لطرح حلول واقعية واقتصادية طالما تمّ تجاهلها لمصلحة المستثمرين في هذا القطاع؟

كل الظروف مهيّأة الآن للتغيير: الانتفاضة الشعبية لا تزال قائمة؛ لم يعد هناك مال وثروات لنهبها؛ وفقدت الأكثرية الشعبية عنجهيتها الإنتاجية والاستهلاكية…
مهلة الأشهر الثلاثة، التي تعني تمديد حالة الطوارئ وخطة عام 2016، السيئة الذكر، طلبها وزير البيئة دميانوس قطار لإيجاد حلول مستدامة لقضية النفايات. ولو كان لدى الوزير الجديد الوقت الكافي للتفكير والتخطيط، لكان ربط بين خطة الطوارئ الجديدة (المهلة الجديدة) والخطة الاستراتيجية. فلماذا ثلاثة أشهر وليس أكثر؟ هل لإرغام النفس والآخرين على القبول بالحلول المستدامة بدل التمديد مجدداً لحالة الطوارئ التي بدأت منذ بداية التسعينات؟ إذا كانت هذه هي الحجة الأساسية، فالوقت داهم ولا يمكن إنجاز الكثير في هذه المدة، ولا سيما على المستوى الاستراتيجي.
عام 2018، أُقرّ قانون الإدارة المتكاملة للنفايات قبل إنجاز الاستراتيجية الوطنية الشاملة لإدارة هذا الملف! وجرى استدراك الأمر بإعطاء مهلة ستة أشهر لإنجاز استراتيجية، طُلب من استشاري غربي وضعها وجرت ترجمتها وإقرارها على عجل أيضاً في مجلس الوزراء مع طلب تقييم استراتيجي لها وإقرار خارطة طريق (في 27/8/2019)، تعبّر عما تريده القوى السياسية المسيطرة في الحكومة ومجلس النواب، أي اعتماد مزيد من المطامر في المناطق (25 مطمراً) لحين تحضير كل الأطر القانونية والفنية لاعتماد المحارق كخيار مركزي واستراتيجي لكل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2010، رغم أنه أخطر الحلول، من النواحي البيئية والمادية والصحية.
من هنا، أهم ما يتوجب على وزير البيئة القيام به إعادة النظر في الاستراتيجية التي لم تناقش يوماً كما يجب، ولا سيما لناحية المبادئ التي يفترض اعتمادها والأهداف التي يفترض تحديدها وتحقيقها والأولويات والمهل والإطار التنفيذي (المركزي واللامركزي)…الخ. وعدم الانطلاق من هذه الاستراتيجية، سيُدخل الحكومة الجديدة في النفق المظلم نفسه الذي دخلت فيه الحكومات السابقة والبلديات، وكل الأفكار «اللامركزية» التي لم تكن تعني سوى تقاسم سرقة المال العام وفوضى عارمة، مالية وتقنية واجتماعية، في حلّ هذه المشكلة. والدليل على ذلك ما ورد في القرار الأخير، والمتسرّع، لمجلس الوزراء بالطلب من مجلس الإنماء والإعمار «إجراء ما يلزم» لتحويل 200 طن من نفايات كسروان إلى معمل المعالجة المتوقّف في غسطا. علماً أن هذا المعمل شأنه شأن معظم المعامل التي لا تعاني من ضعف التمويل فحسب، بل من عدم وجود استراتيجيات تحدد المبادئ والتقنيات المقبولة، وتلك التي يفترض استبعادها، وخطط متكاملة تبدأ بالتخفيف وتنتهي بـ«التخلص النهائي». فصاحب معمل غسطا (النائب نعمة فرام)، مثلاً، يؤمن بتقنية تحويل قسم من النفايات إلى وقود بديل لشركات الاسمنت (rdf)، وهذا خيار بمثابة توأم للمحارق وتدور حوله إشكاليات ومخاطر كثيرة! إضافة إلى إشكاليات لامركزية أخرى نتجاوز الحديث عنها الآن. صحيح أن قانون النفايات (2018) الذي تقصّد داعموه أن يأتي قبل الاستراتيجية (التي تحدد المبادئ والأفضليات) ليتضمن كل الخيارات المطروحة وإرضاء كل الأطراف المستثمرة والعاملة في هذا القطاع (ولا سيما لوبي المحارق والوقود البديل)، من دون تحديد الأفضليات والأولويات والاتجاه الذي تريده الدولة للتخفيف أولاً من هذه المشكلة… إلا أن ذلك زاد من الفوضى بدل أن يضبطها، وهو أحد أهم وظائف كل قانون.
ثم في غياب الاستراتيجية الشاملة التي تبدأ بوضع كل المعطيات حول النفايات وتقوم بتصنيفها جميعها، وطرق معالجتها، ما معنى التركيز لامركزياً على موضوع النفايات «المنزلية الصلبة» فقط من دون النفايات الطبية والصناعية والردميات والنفايات السائلة الناجمة عن الصناعات وعن مياه الصرف وكيفية معالجة وحول صرف المحطات…الخ ألا يفترض أن تشمل الخطط كل أوجه الملف وتحدد الأدوار والمهام المركزية واللامركزية؟ ومن يجمع بين حلّ مشكلة النفايات الصلبة وغيرها من المشاكل المولّدة لها أو المرتبطة فيها؟ وما الذي يفترض تغييره على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، في أنظمة الإنتاج والاستهلاك والتجارة والتسويق والاستيراد…الخ؟
صحيح أن قرار مجلس الوزراء الأخير كلّف في البند السادس وزارة البيئة باستكمال خارطة الطريق 2020 – 2025 خلال مهلة شهر. إلا أن وزير البيئة دميانوس قطار بات يعرف أن الاستراتيجية وقانون النفايات يحتاجان إلى تعديل أيضاً قبل خارطة الطريق المطلوب «استكمالها»، وأن هناك مراسيم يجب إعادة النظر فيها ومنها مرسوم الفرز (رقم 5605/2019) ومراسيم مهمة كالتخفيف يفترض أن تُنجز، إضافة إلى مرسوم «تنظيم الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة» (ولا نعرف لماذا الصلبة فقط!). كما يفترض بالوزير أن لا يقبل التمديد لخطط الطوارئ من دون مراجعة ومحاسبة على إدارة الفترة السابقة وكيفية التخطيط والتنفيذ والمراقبة والكلفة العالية التي دفعت… وهي مقدمة ضرورية للعبور إلى الخطط المستدامة الأكثر عدلاً وشمولاً.
مهلة الثلاثة أشهر لن تقتصر على أزمة مطمر الجديدة فقط، إذ طرح مجلس الوزراء أيضاً مشكلة إيجاد مطمر للشوف وعاليه (في مهلة شهرين)، قبل أن تنتهي قدرة مطمر الكوستابرافا الاستيعابية… ما يعني أن الأزمة لا تزال في بدايتها، وأن هناك حاجة إلى استنفار أكبر في وزارة البيئة ومجلس الوزراء قبل نفاد الوقت الذي بات ثميناً جداً في ظروف تراجيدية على كل المستويات.