الرئيسية / مقالات / ماذا بعد؟

ماذا بعد؟

سؤال طرح علي للإجابة عنه في ندوة دعت إليها جمعية الروتاري في بيروت وتكرم بتوجيهها فواز المرعبي الصديق والرفيق لفترة في جمعية متخرجي الجامعة الأميركية.

المصارحة المبنية على تحليل المعطيات الرقمية والسياسية تشير حتى بعد تشكيل فريق الوزارة الجديدة والذي يضمّ عددًا من اصحاب الطاقات والخبرات المميزة لدى الذكور والاناث، إلى أن العهد مستمر في التركيز على سياسات خاطئة وغير عملية بالنسبة إلى موضوع الكهرباء.

لقد أظهرت دراسات لمواجهة تحديات ازمة الكهرباء منذ 1996 (من البنك الدولي) و2011 من باحثة قدمت دراسة وضعتها بمنحة من مؤسسة محمد الصفدي لجامعة ستاندفورد، وتصريحات لرئيس الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، ودراسة جيدة وضعها وزير الاقتصاد السابق منصور بطيش عام 2014، وأخرى وضعها “تيار المستقبل” وصدرت في كتاب عام 2015، ان عجز الكهرباء سيؤدي الى تعجيز لبنان عن القيام بالتزاماته الدولية، ولو لم تكن نسبة الدين العام البالغ ما يساوي 91 مليار دولار بالليرة اللبنانية على مستوى 61 في المئة، لكانت الازمة حلت بنا منذ وقت.

التدفق الاستثماري على لبنان وتدفق تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج انحسر منذ 2015، علمًا بأن تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج لا تزال توفّر للبنان بالنقد الاجنبي ما يزيد على 7 مليارات دولار تستعملها العائلات التي تحول اليها في سد تكاليف الدراسة والايجارات والمعالجات الطبية وتسديد فواتير الكهرباء.

لبنان يحتاج في المقام الاول الى استعادة الثقة بمنهجية الحكم والادارة العامة وتوصل القضاء الى تسهيل معاملاته وتكاليفه للمتقاضين، وهذه أمور لن تتحقق على رغم كل القوانين والمبادرات التي يطرحها البيان الوزاري، خصوصاً ان معالجة الكهرباء لا تزال في أيدي التيار الذي تمكن من السيطرة على وزارة الطاقة والمياه منذ عشر سنين، ولم يقدم على اي تطوير لوسائل الادارة والتعاون مع صناديق استثمارية مهمة وشركات عالمية اختصاصها الكهرباء.

عجز الكهرباء بلغ 33.9 مليار دولار مدى 10 سنين 2010-2019، ومع اضافة فوائد الاقتراض وازت كلفة دعم خطط الكهرباء الهزيلة نسبة 52 في المئة من الدين العام، ولا يجهل أي مراقب ان هذه المشكلة بحد ذاتها هي سبب الأزمة الحالية. وجدير بالذكر ان لبنان الذي عايش ازمات التحركات الفلسطينية دون رادع منذ 1964 وحتى 1982 لم يتعرض لأزمة تأمين الكهرباء لأن مجلس ادارة مؤسسة كهرباء لبنان كان على مستوى المسؤولية.

قبل الأزمة الناجمة عن عجز الكهرباء، والتي يؤكد البيان الوزاري ضرورة حلها ما بين سنة وثلاث سنوات، في حين أن الحل يجب ان يكون خلال ثلاثة اشهر لئلا تنقلب الأزمة الى حث للشعب على التخلي عن واجباته نحو الحكم، وهي واجبات يجب التزامها تجاه الحكام الذين يحافظون على القوانين وصحة المواطنين وحرياتهم وعلى فسحة الامل في مستقبل واسع، وكل ذلك مفقود والبرهان عليه عدد خريجي الجامعات الذين غادروا لبنان عام 2019، وعدد طالبي الهجرة عام 2020.

بعدما يئس اللبنانيون من تحسن أوضاع لبنان وانفتاح فرص العمل واقبال الشركات الاجنبية وشركات اللبنانيين الناجحة على نطاق عالمي على التركيز على لبنان، كان هنالك قطاع وحيد يدعو الى بعض الاطمئنان هو قطاع المصارف، وقد شاهدنا ميزانيات المصارف ترتفع الى 170-180 مليار دولار عام 2018، ومن هذه الميزانيات نسبة 45 في المئة لدى فروع المصارف اللبنانية العاملة في الخارج، ولم نتحسس ان القطاع مهدّد بالانقطاع عن القيام بدوره لان لبنان فقد صفة الاستقطاب لدى هذا القطاع منذ عام 2019، وأصبح توقع استصدار قوانين تنظيمية تطغى على حرية المواطنين أمراً يواجه كل مودع، سواء حقق أمواله المختزنة منذ سنوات نتيجة اعمال في الخليج العربي او البلدان الافريقية أو النشاطات العالمية، أو كانت ودائعه تشمل تعويضات عمله لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

مع تراجع الدور المصرفي، ونتيجة رعونة بعض المصرفيين المسؤولين عن مصارف بارزة وأخرى بالكاد معروفة، أصبحت قرارات تقييد السحب – حتى من الحسابات الجارية – مقيدة لحرية أصحاب الودائع في التصرف بأموالهم. هكذا أصبح المؤتمنون على أموال الناس هم الذين يقرّرون معدلات التقييد لسحوبات اصحاب الودائع، ولهذا المنهج أخطار كبيرة. أولها ان حركة الأسواق ستنخفض، وتوافر الادوية والمعدات الطبية سيقتضي وقتًا طويلاً، واذا وجب على أحد المواطنين زيارة بلدان أخرى لاجراء عمليات معقدة لن يستطيع ذلك ما دام رئيس مجلس ادارة البنك الذي يتعامل معه هو من يقرر وحده. من أين أعطيت هذه القدرة لمصرفيين ليس بعضهم على مستوى من الاخلاق؟

اننا نرى ان تقييد السحوبات المصرفية سيؤدي بالتأكيد الى انحسار النشاط الاقتصادي بنسبة 10 في المئة على الأقل، ويزيد هذا التوقع التشاؤمي ان أرقام موازنة 2020 تشير إلى انها ستؤدي الى عجز قياسًا بالدخل القومي لا يزيد على 7.3 في المئة وهذا التقدير يعبر عن مدى استهتار النواب بأموال الشعب وعن مدى جهلهم للقضايا المالية.

عجز الـ2020 سيرتفع الى نسبة 10 في المئة مع تقلص حجم الدخل القومي، ويزيد على ذلك عجز بنسبة 2 في المئة نتيجة حاجات الكهرباء ودعمها، ولم تكن هذه الحاجات تدرج في أرقام الموازنة بل تصنف على انها ارقام دعم توفير الكهرباء، وكانت عند المحاولة الأولى لشرح التوقعات المالية تقارب زيادة للعجز 1500 مليار ليرة لبنانية، أي مليار دولار. وقد تبدى للوزارة الجديدة ان العجز سيرتفع الى 2500 مليار ليرة لبنانية، أي سيزيد 700 مليون دولار، على رغم الحديث عن اجراءات متعدّدة لخفض العجز ولن نشهد منها الكثير كما تعودنا فشل العاجزين عن تحفيز موازنة واقعية حقيقية. وعجز موازنة 2020 مع الـ2500 مليار ليرة لبنانية للكهرباء سيحول دون الحصول على مساعدات مؤتمر “سيدر” التي علقت على تحسين معالجة قضية الكهرباء، وكل ما نقرأه في بيان الحكومة انها ستقر تشكيل مجلس ادارة للكهرباء خلال ثلاثة أشهر، وبعد انقضاء بضعة أشهر انتخاب هيئة الاشراف على قضايا الكهرباء والمفترض أن تكون هذه الهيئة قد تشكلت منذ عام 1996.

زيادة في الاستهتار بمصالح المواطنين والاستمرار في تبديد الأموال العامة، يتحدّث البيان الوزاري عن نيّة تفعيل عمل مجلس المرئي والمسموع، هذا المجلس الذي تألف بتدخل سوري لرئيس فريق عسكري سوري شاء السوريون انهاء حياته في سوريا بعد الانسحاب السوري بنهاية نيسان 2005 وأحرقوا في قريته فيلا ضخمة أنجزها من ابتزاز 43 مليون دولار من مصرف في لبنان. هذا الرجل هو من نصب أعضاء مجلس المرئي والمسموع الذين لم يصدر عنهم أي موقف خلال العام 2019 على رغم تعاظم الاتهامات في البرامج التلفزيونية وتابعوا صمتهم مع اندلاع حركات الاحتجاج وكأنهم يقيمون على المريخ.

نعلم علم اليقين أن تعيين وزير التيار الوطني للطاقة أمر يناقض كل مستوجبات مواجهة الأزمة، ونعلم أيضاً ان الحديث لا يزال يدور على مصادر للطاقة لا تستند الى النفط والغاز بل الى الرياح والشمس. ويجب ان يعلم اللبنانيون ان الاردن توصل الى تجهيز حقل كبير لانتاج الكهرباء من الألواح الحرارية بالتعاون مع الصين، أكبر بلد منتج لهذه الألواح عالميًا، وارتفع تجهيز الاردن 1000 ميغاوات بهذه الوسيلة الاقتصادية. وكذلك تايلاند التي بعدما اقبلت على التصنيع على نطاق واسع وتشجيع السياحة استشعرت حاجتها الملحة إلى الكهرباء، فأنجزت خلال سنة واحدة حقولاً لانتاج الكهرباء من الطاقة الحرارية بكلفة 8 سنتات للكيلووات/ساعة (مقابل 22-24 سنتًا تكلفنا في لبنان) وتبلغ طاقة هذه الحقول 4000 ميغاوات أي أكثر من حاجة لبنان لسنوات. ونحن لا نزال نعتبر أن الاردن في حاجة إلى الانماء، وان تايلاند تصلح لزيارة سياحية فقط، ونحن في الواقع متخلفون عن كلا البلدين سواء في التخطيط للمستقبل أو معالجة مشاكلنا التي منها الكهرباء، والنفايات، والسير، ونقاء الجو، وتوافر المياه النظيفة.

لبنان يحتاج الى وثبة ضمير وترسيخ المطالبة بحياة أفضل لمواطنيه، ويحتاج الى استعادة النظام الاقتصادي الحر، والى خفض تكاليف الاتصالات، والى تأمين الكهرباء للجميع بكلفة تراوح بين 10-12 سنت للكيلووات/ساعة، ويحتاج الى مكننة استصدار الأحكام فلا يمضي القاضي أو القاضية ما يعادل الفرصة السنوية لكتابتها، ويحتاج الى دفع التقنيات الحديثة في الادارة واستصدار الوثائق التي تسهل الأعمال والتملك.

ان ما يحتاج إليه لبنان فريق من الحكام والاداريين معاصرين للتحولات التقنية والفنية التي بدأت تقولب برامج العمل والانتاج والترتيبات المالية عالميًا.

ما يحتاج إليه لبنان تغليب اندفاع الشباب بمواكبة خبرة القياديين المنزهين الذين يمكن ان يشكلوا ما يعرف بمجلس الحكماء، أو مجلس الشيوخ الذي لا نزال نبحث عنه.

ولبنان يحتاج بعدما عانق روح الحرية والتآخي في طرابلس الى نهضة وانعاش لهذا البلد الذي احتوى جميع المطالبين بالاصلاح وجميع من يؤمنون بالتآخي. ليست هذه كلمات تذوب في الهواء فقد آذاناً انكار العقل والضمير.

اضف رد