الرئيسية / مقالات / ماذا احترق في ساحة تروكاديرو

ماذا احترق في ساحة تروكاديرو

سمير عطا الله
النهار
12122018

تطل تلة تروكاديرو على موقعين من رموز باريس، برج ايفل وقبة الانفاليد. ومنها أيضاً تتبدى سطوح المدينة ومعالم الضفة اليسرى. وإلى هذه التلة يأتي السياح من أنحاء العالم وكأنهم جميعاً مصورون ماهرون، عرفوا كيف يلتقطون صورة باريس من زاوية شبه كاملة. أما سكان المدينة وأهل الحي فيأتون إلى متعة المشهد كل يوم، يتوزعون مقاهي الساحة، يثرثرون بقايا النهار ويدلفون إلى بقايا المساء.

في المقهى الأكثر اطلالاً على لعبة الألوان في لعبة البرج، زاوية شبه خاصة، يحتلّها كارلوس غصن وأصدقاؤه في ساحات الراحة. يشترون الصحف من البائع (اللبناني) القريب وينضوون في الحرفة الباريسية الأزلية: تحليل الأخبار.

الانفاليد المذهبة، البرج الطالع، قصر شايو المتأخر عن زمن القصور (القرن التاسع عشر) جزء من مشهد واحد: الابداع. يضيف كارلوس غصن الى ابداع الهندسة العمرانية، عبقرية الهندسة الميكانيكية. لم يعد ما فعله هنري فورد وسيارته الموديل T، يقارن بما حققه هذا الرجل لصناعة السيارات في العالم، في التاريخ.

أهينت القيم الاخلاقية في التروكاديرو مرتين: الأولى، عندما أحرقها الرعاع والزعران وصغار الدول الكبرى، والثانية عندما انهالت اليابان بكل الشوفينية الامبراطورية الدفينة والمقنعة بالابتسامات الصفر، على تكسير اسطورة الرجل الذي أنقذ صناعتها الامبراطورية من الزوال.

نُقِلَ كارلوس غصن الى زنزانة من دون نافذة، وسُمِحَ له بالاستحمام مرتين فقط في الاسبوع، بدل مرتين في اليوم. واستخدم القضاء الياباني حقه الاقصى في التوقيف الاحتياطي، حيال رجل لن يفر إلى مكان. فهو صاحب وجه معروف في العالم أكثر ألف مرة من امبراطور اليابان ورئيس وزرائها وحتى “بروس لي”.

كان من الممكن استجواب كارلوس غصن في مكتب المدعي العام أو في مكتبه أو في بهو فندقه. لكن القرار في احراق اسطورته مثل القرار في احراق التروكاديرو واحياء باريس الاخرى، هو تعبير عن زمن الغضب السلوكي الذي يتقلب العالم فيه. كان في امكان رعاع باريس الخروج في تظاهرة صامتة وينقضي الأمر. أو في ثلاث تظاهرات. أو ان يعبئوا نوابهم في الجمعية الوطنية. أو احزابهم. او اتحاداتهم. لكن الانحطاط البشري لا يكتفي في التعبير عن نفسه الا باخراج أعماقها. لا يشكك في القضاء الياباني الا الجهلة. وما كان ممكنناً توقيف كارلوس غصن من دون شبهة قوية، والا أصبح القضاء هو المتهم. فنحن هنا لسنا أمام دولة بهلوانات. وكرامة الانسان العادي فيها تماماً مثل كرامة “الشمس الطالعة”. لكن كارلوس غصن ليس انساناً عادياً، خصوصاً في اليابان. انه “شفيع” العمال والطبقة الوسطى والصناعية على السواء. زنزانة بلا نافذة وتجريد من ربطة العنق وشريط الحذاء وذلك السؤال الذي يطرح على رواد السجون: هل انت شاذ؟

كان السؤال أقسى شيء في عملية التوقيف على رجل يذهب الى قداس الاحد مع عائلته كل أسبوع. في هذا المعنى هو ليس مارونياً لأي سبب من أسباب الوجاهة، والقداس جزء من التقوى لا من “العدة” المألوفة.

فاجعتان في وقتٍ واحد على كارلوس غصن: حرق طاولته في زاوية تروكاديرو، والأسئلة التي طرحها آمر السجن الياباني على الساموراي الذي لم يولد تحت الشمس الطالعة.

في “الشمس تشرق أيضاً” لهمنغواي يدور حوار حول الافلاس: “يحدث بادىء الامر تدريجاً. يوماً بعد يوم. ثم مرة واحدة”. مرة واحدة دخلنا عصر الغضب الذي يجرد الكبار من سلوك الكبار ويجرد الصغار من بقايا الضوابط. فالغضب يقول دوستويفسكي، هو الوحش فينا والافضل ألا يستيقظ.

بسبب الحرائق والخرائب والقسوة مال الكثيرون إلى المقارنة مع أيار 1968. لكن خارج هذا المنظر السلوكي لا علاقة إطلاقاً بين عصر أيار والمعركة ضد شارل ديغول، وعصر تشرين الثاني والحرب على ايمانويل ماكرون. أيار 1968 كان معركة قضايا حقيقية ونقل المؤسسات، ولا سيما التعليمية منها، من زمن إلى زمن. وكانت له علامات فكرية حقيقية أو مدعية الفكر. وكانت الوجوه تبدأ بفرنسوا ميتيران وجان – بول سارتر وجولييت غريكو وأسراب من الماويين والتروتسكيين والفوضويين الّذين انضم اليهم جميعاً في النهاية الشيوعيون الملتزمون. أما في الحرائق الحالية فليس هناك سوى أقنعة بعضها قادم من اليسار وبعضها من اليمين وحتى من الوسط غير المسيّس عادةً. منذ العصور كان المُرهَفون يأتون الى باريس باعتبارها مدينة الجميع. من ليوناردو دافنشي في القرن السادس عشر إلى بابلو بيكاسو في القرن الماضي جاء الشعراء والعلماء. لكنّها عندما كانت تغضب بمزاجيتها المُعِلّة كان يهرب منها إلى لندن القريبة والأكثر تسامحاً، رجالٌ مثل فولتير.

في جنازة جورج بوش الأب رفض دونالد ترامب أن يصافح بيل كلينتون وزوجته. ومنذ حملته الانتخابية نقل ترامب إلى عصرنا السياسي سلوكياتٍ غير مألوفة. فإحدى القضايا التي أثارها في الحملة كانت حجم أصابع يده: رفع يده في الهواء وقال هذه هي الحقيقة. لكنَّ الناس حتى في أبسط طبقاتهم لم يروا في المسألة أي قضيةٍ على الاطلاق. بل أدركوا أن الرجل الذي سيصبح رئيس أقوى دولةٍ في العالم لا يستطيع المحافظة على المستوى الأدبي المقبول في التعامل بين الناس والأمم. ومن بعده أصبح أمراً مألوفاً أن ينشغل العالم أجمع بتصريحات ومؤلفات ستورمي دانيالز. النظام الاخلاقي مثل جدارٍ متصدِّع. أي حصوةٍ تسقط منه تعرّضه للسقوط برمته. وفرنسا التي كانت منذ الثورة أم القضايا، أحالت كل شيءٍ على المنظمات الاجتماعية “NGO” وتشتت اليسار وحيداً في كل مكان تاركاً للفاشية أن تزدهر من جديد على انها الحل وليست كارثة كونية مرعبة.

في السنوات الأخيرة لم يعد لقضايا الأرض من يفكِّر فيها أو ينظِّر لها. فقد طغت أعداد وكلاء الجنة على تهيئة الناس اليها معتبرين أن البحث في الهموم البشرية انحراف مُنكَر، وبسبب كثرة الوكلاء وكفاياتهم الطاغية لم يعد أحد في حاجة الى التفكير. كل شيءٍ متروك لهم. كل فرحٍ ممنوع والراحة عذاب وعقاب وما الأرض إلا جسرٌ إما أن تُقتَلَ عليه فتُصبِح شهيداً وإما أن تقتُلَ الآخر فتكون بطلاً. وفي الحالتين لا يبقى سوى القفزة إلى جنّة داعش مزفوفاً إلى الحوريات كعريسٍ أبدي، مزوّداً جميع طاقات هرقل.

قد لا تكون الآداب مُمكنةً في النفوس والسلوك كحقيقة لكنها جوهريةٌ كواجهة على الأقل. فعندما يصبح خطاب الرئيس الأميركي مثل هذا الخطاب، يصير من المحتمل أن يفوز في البرازيل رجلٌ مثل السيناتور جايير بولسونارو، أو أن يتباهى دوتيرتي رئيس الفيليبين بقتل مهربّي المخدرات من دون محاكمة على طريقة مافيا الجنوب الايطالي. في البدء كانت الكلمة، وظلّت، وسوف تبقى. فعندما تنتهي كقاعدة، تتهاوى أشياء كثيرة. ونصل إلى وقتٍ يعبِّر فيه “النائب القوي” في لبنان عن قوتِّهِ السامية عبر المطالبة بتطيير رأس راغب علامة. فقد ارتكب المغنّي الخطيئة الأصلية: باح بألم الضعفاء الذّين لم يقترعوا لقانون النسبية!

اضف رد