الرئيسية / home slide / ماذا أرسلت صور إلى تونس

ماذا أرسلت صور إلى تونس

24-02-2021 | 00:08 المصدر: النهار

سمير عطالله

ماذا أرسلت صور إلى تونس

تقاسم اللبنانيون تاريخهم منذ بدايته، أي منذ المرحلة #الفينيقية. لدى قسم منهم، ابرزهم السوريون القوميون، تبرز #صور كسيدة الحواضر، ومنها سوف يخرج الفينيقيون، وخصوصاً الفينيقيات، الى العالم، “نبني أنّى نشأ لبنانا” كما اعلن سعيد عقل. ومنها ما بنيناه على الساحل الشمالي لافريقيا، في قرطاج، #تونس اليوم، وبلد هنيبعل، الذي حاصر روما عشر سنين، نازلاً عليها بأفياله من جبال الألب وقد نقصه 50 فيلاً، وإلا لكنّا اليوم ندّعي ملكية جمالاتها من البياتزا دسبانا إلى البياتزا ديل بوبولو إلى منابر صوفيا لورين. ذاك، إذن، جناح “اليسار” في الاسرة الفينيقية. أما الجزء الآخر من عصبييها، كما كان يقول ابن خلدون، واشهر ورثته سعيد عقل، فكان يضم إضافة الى صور وصيدا، أمّ الحرف واقدم مدينة في التاريخ، جبيل وساحلها وصولاً إلى سلعاتا، حاضرة المسيحيين وغرة حقوقهم، فاتيكان الشرق.  لكم فينيقياكم ولنا فينيقيانا، وعذراً على صعوبة اللفظ، فما من شيء هيّن هذه الأيام، لا في فينيقيانا ولا في فينيقياكم. أما بالنسبة اليّ فقد تبنيت منذ البداية حل راحة البال: جمعاً يكون. واتخذت الموقف نفسه من احفاد الأم فينيقيا: مع هنيبعل ومع قدموس. “والله غالب”، كما في شعار اهل الأندلس. غير ان حذري من الغلو والمغالاة، جعلني اشكك دائماً في روايتين، المؤرخ والمسافر. كلاهما يمدّ يده الى كيس الملح والبهار، لكي يذوّق اصناف المائدة التي يفرشها امامك. مع أن اخواننا، أو احفادنا، في تونس يفاخرون هم ايضاً بالنسب الصوري، بقيت متشككاً، وبعض الشك إثم، إلى أن اشتدت احداث الأيام الأخيرة في تونس: نزاع شديد بين رئيس الجمهورية وبين رئيس الوزراء، ونواب يطالبون بإقالة الغنوشي، زعيم الاخوان. وينقص المشهد هنا في الوطن الأم، سيدة مثل عبير موسى، تملأ البرلمان شجاعة ونبرةً ورونقاً، وتعلقاً بالنزعة المتحضرة. فقط من قبيل المصادفات الخيالية، عنوان الخلاف بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في تونس، خمسة وزراء. والمؤسف أننا لا نعرف عن اصحاب المعالي في بلاد الزيتون شيئاً، بينما نشرت الصحافة في بلاد الأرز اسماء الخمسة الذين اقترحهم الرئيس #عون على الرئيس #الحريري والله اعلم. فليسقط المشككون في علاقة الأمومة بيننا وبين تونس، وأي برهان اكبر يريدون. وحمى الله احفادنا في المناستير وسوسة وصفاقس وبنزرت وسبيبة وباجة الخ، من المزيد من المشابهات بيننا وبينهم. يكفيهم ما تحدّر اليهم من آثار الـ DAN وعلامات الأنساب.
أم هي مشابهات العالم العربي، مغرباً ومشرقاً، وأنه إما في جهنم، وإما على ابوابها، ولا ينقص سوى دانتي اليغييري يقوم بجولة انطباعية على دوائرها التسع.
جاءنا “المجاهد الاكبر” الحبيب بورقيبة العام 1965 يحاضر في “الندوة اللبنانية” ولكي يعرض للعرب والعالم ما هي “البورقيبية”. طوال ساعتين، لم يأتِ على ذكر العلاقة التاريخية بين تونس ولبنان. لكنه قال “يرجع الى أن لبنان ارض تفاعلت فيها الحضارات وتولّد من لقائها انفتاح في الاذهان والقلوب، قلَّ مثيله في بلدان اخرى”. وكان التعلم والتقدم شغف “المجاهد الأكبر”. ويروي الزميل الكبير انه خلال زيارة الى تونس دعاه بورقيبة الى العشاء. وكان يوم خميس. وكل خميس كان يدعو الى مائدته إثنين من المواطنين ليصغي اليهما عن احوال الناس. وصدف ذلك الخميس ان الضيفين كانا معلمتين. وعندما سألهما ممَّ تشكيان، قالتا إن راتبيهما قليل. ثم غرقتا في البكاء. وغرق “المجاهد الآكبر” في البكاء هو ايضاً.
الأكثر اهمية بكثير من نص المحاضرة في “دار الندوة”، صورة الحضور، عرفت من بينهم: الرئيس، آنذاك، شارل حلو، والرئيسان صائب سلام وكامل الأسعد، النائب رشيد بيضون، الشيخ بيار الجميل، حاكم المصرف المركزي الياس سركيس، النائب نهاد بويز، الدكتور فؤاد عمّون. ما هو أهم ما في الصورة؟ الذي لا يظهر فيها. ففي لبنان آمن وجميل ومتحضر وبلا خوف وبلا عقد، ما من شرطي واحد إلا في الخارج. ولا موكب في الخارج ايضاً. ومثل رئيس الجمهورية الضيف، مثل الرئيس المضيف، كنز ثقافي اهم من “كنوز الملك سليمان”، كما في رواية رايدر هاغارد، الشهيرة. دمر انفجار 4 آب اجمل اهراءات في الشرق. ودمر اجمل موانىء الشرق. ودمّر البلد الذي كان يجيئه رجال مثل بورقيبة، للاستئناس بتجربته في صنع هالة كبرى من هذا الحجم الصغير والعدد القليل. يمر العالم العربي بمناخ انهياري وظلامي ظالم مظلم. وكما تضاء انوار من بقعة ما، تطفأ ايضاً من البقعة نفسها. لكن ما يذهل في هذا المشهد المائل الى العتم المطبق ان تجد سيدة شجاعة تقف امام برلمان الغنوشي وتقول في وجهه: “هذه تونس ولن يجردنا احد من نهج التقدم والحياة”. وسوف يكون الصراع طويلاً ومريراً بين تيار عبير موسى وتيار الغنوشيين. “خفة الضوء لا تتحمل ثقل الظلام”. تأتي الاخطار على الدول والأمم من حديثي النِّعم، على اختلافها. هؤلاء يقامرون بما كسبوه صدفة ولم يعرفوا قيمة السعي وعرق التعب وقيمة الرسوخ. تمر#الكويت في ازمة سياسية مشابهة، ابطالها نفر من النواب الجدد الذين لا يعرفون معنى ما تركته لهم الاجيال السابقة من آداب وأعراق وتقاليد.
مثل هذه الزمر لا ترى في الفوز البرلماني سوى طريق قصيرة الى الشهرة وسريعة الى الغنى. إنها عقلية العابر في مواجهة فلاّح الأرض. وإذا كانت #الديموقراطية هشة في اميركا، كما قال جو بايدن، فكيف في الدول ذات العصبية القبلية، ايضاً وفقاً للتونسي، ابن خلدون.
سوف تجد خطاً متشابهاً بين لبنان وتونس والكويت، هو الافتقار الى ثقافة القيَم عند العابثين الجدد. لقد اسس عبدالله السالم الكويت المستقلة على افضل ما تكون النظم الدستورية. ورسم للكويتيين فسحة راقية من المعارضة. وكنتَ ترى بين المعارضين قادة القوميين العرب مثل احمد الخطيب، وقادة المستقلين مثل عبد العزيز الصقر، وأعلام الحياة المدنية مثل عبد العزيز حسين. ومَن ترى اليوم؟ ترى طفرة من “المهروقين” الجدد الذين يتسربلون ويتعثرون بأطراف الثوب الوطني “المبهبط” عليهم الى درجة مضحكة ومقلقة معاً. ما قيمة الثوب إذا لم يغطِّ العورات، خصوصاً عندما تتكاثر، حتى لا يعود يبان في صاحبها شيء آخر. هل هذا قدر الدول السوية في هذه الاجيال؟ يخاف المرء على تلك الدول التي اختارت النظم الديموقراطية، مثل تونس والكويت وهذا البلد المستضعف. ميراي خوري، التي فقدت ابنها في مرفأ بيروت، رفضت بكل إباء وكِبَر، ان يسمّى فقيدها شهيداً: “شهيد ماذا ومَن؟ ابني لم يكن يريد ان يموت من اجل احد. إنه ضحية، وانا ايضاً”. كما ينتظر المحبون احباءهم على الميناء، وقف اهالي الضحايا ينتظرون قاضي التحقيق. لعله يحمل قرنفلة عزاء. ولم يجدوه. ولا وجدوا الجمهورية بين الركام، وعلى خريطة الاحزان.