الرئيسية / home slide / ماجستير أمرَك سيدنا

ماجستير أمرَك سيدنا

15-03-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

تعبيرية (نبيل إسماعيل).

#المحاسيب. كلمة تكاد تكون ماركة مسجَّلة للطبقة الحاكمة. كل من يقول “أمرك سيدنا” ينال وظيفة أو حظوة أو موقعاً في دولة المحاسيب. مجلس الخدمة المدنية يبصُم ومؤسسات الرقابة يراقبها أهل السلطة. هل نسأل بعد لماذا نحن دولة مارقة؟
الطائفية لم تعد اللعنة الأساس. أنت فيها عضو مؤسّس. داخلها يجب أن تكون مطيعاً. من أكبر شَنَب إلى آخر لحية مشذَّبة صار متعارفاً عليه أن منصب وزير أو مدير عام أو بَوّبجي أو حارس أحراج يجب أن تتضمَّن سيرته الذاتية ماجستير في اختصاص “أمرك سيدنا”. هذا يفسّر لماذا قلَّ احترامنا فصار حيطنا أكثر الحيطان وطاوة في العالم.

نحن لعنة الطائفية لا العكس. السياسة جعلت منها بعبعاً ومِنّا أشراراً بالسليقة. الطائفية بريئة من دمنا. دمُنا سَفكناه فوق الكراسي. كان لا بدّ لنا من أن نجد الضحية المثلى والتهمة النموذجية: الطائفية. لو تُرِك الناس على سجيّة طوائفهم لتحابّوا. جشعُهُم قتلهم واتُّهمت الطوائف بالجريمة. لا حلّ للخروج من المتاهة إلا بقتل المجرم. الاستمرار في حبس الطائفية لا يفيد. اقتلوا المجرم. اقتلوا النظام. اقتلوا المتربّعين على عروشه.

تعب أهلنا في تربيتنا “كلّ شِبر بنِدر” منذ نعومة أظفارنا. أكدوا لنا أننا يجب أن نحصّل الشهادات. كذبوا على أنفسهم وعلينا. انهمكنا في حفظ جدول الضّرب وبحور الشعر. الجدول الوحيد الذي تلكّأنا في حفظه كان جدول مخصّصات المحاسيب. البحر الوحيد الذي فاتتنا تفعيلاته كان بحر الفساد.

الفساد يتمدّد كبقعة نفط. عندما يندلق تخال أن حمولة باخرة كاز تفشّت فوق البحر. كل شيء يتكحّل بالسَّواد. حتى النَّورَس يفسُدُ ريشُه. مستحيلٌ أن تكون الدولة فاسدة وأن يبقى مواطنوها صالحين. هي تعلّمنا أُصولَ النَّصب لنصبحَ أساتذة في الشّلَمسطيَّة. ننصبُ بعضنا على بعض ومع بعض.

الفساد في بلَدِنا حمّال أوجُه وفروع. من الميكانيكي الذي تودع لديه سيارتك لأنها تعاني من الحَماوة فيسرق رادياتورها، إلى السياسي الذي يعدكَ بوطن ويسلّمُكَ ماخوراً، إلى الخضرجي الذي يبيعُك خَسّاً مَسقيّاً بمياه المَجارير وَبَول آلاف المارّة فتُقَرمِشُهُ وأنت مَبسوط.

تنظيف لبنان يَحتاج إلى دَعْك استراتيجي. الأثاث صارَ عَصيّاً على التنجيد. جرّبنا المنجِّد العربي والفرَنجي. كراسي السلطة في لبنان خدمت عسكريَّتَها. الأجدر أن تُحَمَّل في بيك أب فتنتَهي على مَنقَل أو مدفأة. المطلوب أثاث جديد مِن خَشَب الأرز.

عنق رحم الدولة على أهبةِ الاتساع. ليس بحاجة الى سكانر فَوْق صَوتي ليعرف أن حمله سفاح. لا تعطِه صوتك فحسب. إذا اقترعتَ فستسهم في نموّ جنين لقيط. الغدد التناسلية التي سهّلَت حَبَل هذا النظام مسرطنة. لا تمسّها ولا تمدّها بالعلاج. عاجلها بالكَيّ. الانتخابات المقبلة ولادة قيصرية اجعلوا منها إجهاضاً حتميّاً. هزالة نسبة الاقتراع لها رمزية كبيرة. ستقوم على أنقاض تمرّدكم دولة بلا شعب. فليحكموا دولة بلا شَعب. هذه هي الثورة الحقيقية التي ستطيح كل ما سبقها.

عَجَبي كيف يُجالِسُ الحكماءُ الحُكّام. عندما نرى الحكّام على أبواب الحكماء يمكن أن نرتَجي عودة وَطَن وقيام دولة. ما دام الحكماء يتسكّعون على أبواب الحكّام فسنبقى في نعاسِ وطن وسباتِ دولة. فَيا أيّها الحكماء، لا تجالسوا الحكّام الحمقى والفاسدين لأنه كما كَتَبَ الجاحظ، يعلَقُ بكم من مجالستهم يوماً من الفساد ما يعلقُ بكم من مجالسة العقلاء دهراً من الصلاح فإن الفساد أشدُّ التحاماً بالطبائع.