الرئيسية / home slide / مات إميل زولا وألفريد درايفوس ولم تمت قضيتهما “المشتركة”

مات إميل زولا وألفريد درايفوس ولم تمت قضيتهما “المشتركة”

بولانسكي يعيد السجال إلى الواجهة ومعتقل “كورونا” الكبير يسكته

إبراهيم العريس 
باحث وكاتب
  الثلاثاء 16 فبراير 2021 16:08

مشهد يصور محاكمة درايفوس (غيتي)

قبل عام من الآن، وعشية طغيان حكاية كورونا على أي أمر آخر في فرنسا، كما في العالم أجمع، انشغلت الحياة الثقافية الفرنسية بفيلم جديد حققه السينمائي رومان بولانسكي في فرنسا تحديداً، ليدنو فيه مباشرة، وربما للمرة الأولى منذ زمن طويل، من تلك القضية التي كانت شغل فرنسا الشاغل قبل ذلك بمئة عام، وأكثر، لتصبح بالتدريج فضيحة اجتماعية وكارثة أخلاقية تقسم فرنسا كلها بين يمين ويسار، خالقة في طريقها تلك “الخصوصية” الفرنسية التي تجلت في تدخل المثقفين في الحياة الاجتماعية معبراً عنه بمقالة إميل زولا الشهيرة “إني أتهم”.

أين الفيلم الكبير؟

والحقيقة أن تحقيق بولانسكي فيلمه عام 2019 دفع كثرين إلى التساؤل عما جعل السينما، حتى وإن دنت كثيراً من تلك القضية طوال مئة عام وأكثر، تعجز عن تقديم فيلم كبير يغوص في القضية من دون أن يجعل من إميل زولا مدخله إلى ذلك. فنحن نعرف دائماً أن الاسمين، درايفوس وزولا، باتا مترابطين إلى درجة رأى البعض معها أنه كان “من أسوأ ما يحدث لدرايفوس أن تصبح القضية قضية زولا أكثر مما هي قضيته”.

ومن المهم أن نشير هنا إلى أن بولانسكي في فيلمه الأكثر جدة، كان من شأنه أن يثير كثيراً من النقاش المعيد صاحب القضية، وليس متبنيها فحسب إلى الواجهة، لولا هجمة كورونا. فالهجمة كما أشرنا أول هذا الكلام دفعت كل الأمور الأخرى إلى خلفية الاهتمام، ما ضيع من جديد على درايفوس فرصة “استعادة” قضيته هو، الذي حتى في حياته حقق عدداً كبيراً من أفلام تناولت قضيته، لكنه كان لا يفوته، بعد كل فيلم يدعى إليه ويشاهده أن يتساءل: ولكن أين أنا وقضيتي؟ شاكياً من أن زولا كان دائماً يشغل الواجهة فيما لا يبدو هو أكثر من ذريعة على غير صعيد، بل أحياناً لإعادة فتح قضية اللا سامية على حسابه!

بعد كل شيء لا بد أن يعيدنا فيلم بولانسكي هنا إلى أن نتذكر كيف أن قضية درايفوس، يمكن أن تعتبر في الحسابات كافة، أغرب قضية قضائية – سياسية عرفتها فرنسا في تاريخها.

أهواء مستعادة

والأغرب في شأن هذه القضية أنها لا تزال حتى يومنا هذا تثير من الأهواء الفرنسية ما تثير، وتستخدم سياسياً واجتماعياً بمقدار ما يمكن لمستخدميها أن يفعلوا، بل بمقدار ما يمكنهم أن يبدّوا القضية ونتائجها ودلالاتها على صاحبها “الشرعي”.

واضح دائماً أن قضية درايفوس حية في فرنسا، إلى درجة تجعل الكثيرين ينسون أن هذه القضية انتهت منذ زمن بعيد، بل إن صاحبها الضابط ألفريد درايفوس نفسه رحل عن عالمنا عام 1935، في وقت كان فيه قد بات بعيداً جداً عن قضيته، بعد أن أعيد له اعتباره منذ عام 1908، وأعيد إلى الجيش، وباتت القضية كلها ذكرى قديمة.

والحال أن إعادة النظر في قضية درايفوس بدأت في مارس (آذار) 1904 حين قبلت المحكمة الفرنسية إعادة التحقيق في القضية. وقبل ذلك بعشرة أعوام، أي في 1894 كانت المحكمة العسكرية الفرنسية قد حكمت على النقيب ألفريد درايفوس بنزع رتبته العسكرية وسجنه بتهمة التجسس لصالح الألمان. فنفي إلى ما كان يعتبر في ذلك الحين أقسى منفى يرسل إليه عسكري فرنسي: إلى جزيرة الشيطان.

هجمة اللا سامية وأعدائها

كان يمكن لتلك القضية أن تكون قضية عادية، لولا أن درايفوس كان من أصل يهودي، وكان الزمن زمن انتشار موضة معاداة السامية والتصدي لها، وبالتحديد استناداً إلى مبادئ تسامح وقبول الآخر التي كانت من أساسيات فكرانية الثورة الفرنسية، وهكذا انبرى عدد كبير من المفكرين والسياسيين الليبراليين والاشتراكيين للدفاع عن درايفوس متهمين الجيش والسلطات الفرنسية بأنها إنما تتهمه ظلماً لمجرد أنه يهودي. وبسرعة أصبحت قضية ذلك الضابط شغل الناس جميعاً وحركت الأهواء في أوروبا كلها، بل يمكن لمن يقرأ سيرة مؤسس “العقيدة الصهيونية” التي كانت في أساس قيام دولة إسرائيل، هرتزل كيف أن تلك القضية هي التي حركته لبعث الفكرة الصهيونية ومحاولة إيجاد وطن قومي لليهود.

أيد لتحريك القضية

كان من بين أكثر المدافعين عن درايفوس حماسة إميل زولا وجان جوريس وجورج كليمنصو. ويومها، انقسمت فرنسا بأسرها إلى فريقين فريق مناصر لدرايفوس وفريق مُعادٍ له. وحتى حين كان العسكري مقيماً في منفاه كان هناك من يحرك قضيته وبعنف في فرنسا، وفي أوروبا كلها. ولقد وصل الأمر إلى ذروته عام 1898، حين تبين أن الوثيقة الأساسية التي تشكل دليل الاتهام ضد درايفوس مزورة. وفي العام التالي جرى نقض الحكم، لكن مجلس الحرب الفرنسي عاد وأكد الحكم بعد ذلك مع ظروف تخفيفية. وبعد فترة يسيرة صدر عفو رئاسي عن درايفوس لأسباب صحية، ما يعني أنه ظل متهماً، وهذا ما حرك أنصاره للمطالبة بإعادة محاكمته.

وبالفعل، نجح الأنصار في ذلك، وما إن حل يوم 12 يوليو (تموز) 1908 حتى أعلنت براءته وأعيد له اعتباره، بل أعيد إلى الجيش، ومنح وساماً. وكان يمكن للقضية أن تقف عند ذلك الحد، على الرغم من أن أوساطاً عسكرية عديدة ظلت تعتبر، ضمنياً، أن براءة درايفوس، مثلها مثل إدانته، ليست نهائية وقابلة للنقاش (وهو اعتقاد لا يزال قائماً حتى يومنا هذا، إذ في 1993 نشر باحث عسكري فرنسي في مجلة عسكرية دراسة تحاول أن تثير الشبهات من جديد من حول درايفوس، مقترحة أنه عمل بالفعل لصالح الألمان، وأن تبرئته لم تكن سوى تبرئة سياسية، لكن الباحث سرعان ما سكت من تلقائه، بحسب البعض، و”أسكت”، بحسب البعض الآخر، وصودرت أعداد المجلة التي نشرت بحثه).

العسكري الفرنسي درايفوس (غيتي)​​​​​​​

مجد من نوع خاص

مهما يكن، يمكن أن يقال إن ألفريد درايفوس قضى السنوات الباقية من حياته مكللاً بمجد خاص، وأنه استعاد خلال تلك السنوات حياته السابقة، وكان يصر في كل مرة يسأل فيها حول سنوات إدانته وسجنه على أن ذلك زمن قد مضى ولا يريد العودة للحديث عنه.

ولكن في مقابل صمت درايفوس، ظلت فرنسا بأسرها تتحدث عنها، وصارت قضيته أشبه بـ”قميص عثمان”، بحيث إنها سرعان ما تجاوزته كلياً. وصارت جزءاً من اللعبة السياسية الفرنسية، لا سيما خلال سنوات الثلاثين حين اشتد الصراع بين اليمين واليسار. والحال أن الزمن الذي مات فيه درايفوس كان زمن الصراعات الكبرى في فرنسا، وبخاصة زمن انبعاث موجة معاداة للسامية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الفرنسي.

ولئن كانت الجبهة الشعبية قد وصلت إلى الحكم في العام التالي لرحيله فكرمته بعد موته، معتبرة إياه ضحية للأهواء التي اعتملت في أذهان وأفئدة اليمين، وكان من المفترض أن يكون تكريمه الفصل الأخير في قضيته، فإن العقود التالية ظلت، ولا تزال، تشهد عودة لقضية درايفوس كلما اشتد الصراع في فرنسا بين يمين لم يؤمن أبداً ببراءة درايفوس، ويسار كان يرى على الدوام أن قضية درايفوس تشكل حجر رحى في صراع أيديولوجي عنيف على الطريقة الفرنسية.

الفن حين يتدخل

وكما يحدث عادة في فرنسا، وغيرها، ظلت القضية حية بعد موت صاحبها، وظل النقاش من حولها حياً يشتد حيناً، ويخفت في أحيان أخرى، مع محاولات دائمة من قبل المبدعين للدنو منها في كتابات وأفلام ومسرحيات وأعمال فنية أخرى متنوعة. وكان الأخير حتى الآن رومان بولانسكي الذي بدا في فيلمه “استفزازياً” محاولاً أن يعود بالنقاش إلى حماسته القديمة، لكن سوء حظه جعل كورونا تهجم مسكتة كل تلك الأصوات التي بدأت السجال، وغالباً لخاطر السجال نفسه، حيث إن متابعي النقاش عجزوا بشكل عام عن فهم محور النقاش واستراتيجياته، لكن هذه تبقى حكاية أخرى.