الرئيسية / home slide / ماتت المقاومة… ماتت المحكمة

ماتت المقاومة… ماتت المحكمة

نديم قطيش – الأحد 06 حزيران 2021
https://www.asasmedia.com/news/389346

لا وقت للقضايا الكبرى في لبنان.

حدثان، خلال الأسابيع الماضية، تكامل أحدهما مع الآخر لنعي العنوانين اللذين هيمنا على حياة اللبنانيين منذ ما بعد اتفاق الطائف. في زمن السلم كان اسماهما “المقاومة” و”الإعمار”. وبعد عاميْ 2005 – 2006 صار اسماهما “سلاح حزب الله” و”المحكمة الدولية”.

يصعب العثور على تفصيل من تفاصيل الصراع اللبناني الحقيقية، صدر عن غير الاحتكاك بين هذين العنوانين. ويصعب أكثر العثور على تسوية لم تولد من انتحال صفة التآلف بينهما.

حتى حين حضر العنوان المسيحي، بكلّ فجاجة خطاب الحقوق والشراكة مع العونية السياسية، دخل هذا العنوان محمولاً على أكفّ حزب الله، وجزءاً من استراتيجيته الصراعية مع إرث رفيق الحريري. عنوانان صنعا، بعلاقتهما الجدلية، كلّ ما يعيه لبناني عاش في لبنان منذ عام 1992. العنوانان وصلا معاً إلى خاتمة الطريق.

ترهّلا كثيراً، ولو بتفاوت. ترهّلت المقاومة حتى صارت بحاجة إلى كل خرافات العالم للدليل على وجودها. وانمحت من الحريرية السياسية كل ملامح الحيوية والاندفاع والابتكار والحداثة، حتى ما عاد الاسم يدلّ على المُسمّى.

نحن أمام جثّتين بلا جنازة، قتيلين بلا مشيّعين. المقاومة والمحكمة الدولية. وموتهما يصغر أمام موت وطن بكامله.

بعد حرب غزّة، والتجربة الصاروخية اللافتة التي قدّمتها حركة حماس، بدا خطاب حسن نصر الله منفصلاً عن الواقع.

السعال المتكرّر، الوهن البادي على ملامحه، كل ذلك تحالف مع ضعف اللحظة السياسية والاستراتيجية، ليضعنا أمام ذروة درامية في مسرح السخرية السوداء!

ترهّلا كثيراً، ولو بتفاوت. ترهّلت المقاومة حتى صارت بحاجة إلى كل خرافات العالم للدليل على وجودها. وانمحت من الحريرية السياسية كل ملامح الحيوية والاندفاع والابتكار والحداثة، حتى ما عاد الاسم يدلّ على المُسمّى

ففي اللحظة التي استأنفت فيها القضية الفلسطينية أولويتها على جدول أعمال وعواطف العالم، حدّثنا حسن نصر الله عن تشكيل الحكومة ودور رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومواصفات “التطرية” التي ينبغي أن يتحلّى بها كل من الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية ميشال عون.

بدا بعيداً عن الحدث، الذي به يبرّر وجوده كل ساعة من كل يوم، ومفصولاً عن سياقاته وديناميته وعمّا سيليه، فلسطينياً وعربياً ودولياً. حاول رفع السقف عن القدس ومصير التعرّض لها، لكنّه كان يصرخ وحيداً في برّية قصيّة…

عادت القضية إلى أهلها فأنعم عليه قائد حماس في غزّة يحيى السنوار بصفة لاعب الاحتياط، في حين أنّ نصر الله كان يتابع المباراة من مقعد اللاعب المتفرّج أمام التلفزيون.. أمّا حديثه عن التحرير يوم 25 أيار، فكان أكثر غربة. مَنْ على الأرض المحرّرة يفكّر أيضاً، كغيره من اللبنانيين، بالهجرة من جحيم ما عاد يُطاق. لا فرق في المأساة بين “أشرف الناس” والآخرين. الناس في مكان آخر.

على لائحة القضايا الكبرى المتوفّاة، المحكمة الخاصة بلبنان. رئيسة المحكمة الدولية القاضية التشيكية إيفانا هردليشكوفا، حذّرت من أنّ إقفال المحكمة التي تنظر في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وجرائم أخرى، “سابقة شديدة الخطورة للعدالة الجنائية الدولية”، وأنّ الإقفال في حال حصوله بسبب نقص التمويل “سيبعث برسالة مدمّرة للشعب اللبناني وذوي الضحايا”.

أمّا خبر إلغاء غرفة الدرجة الأولى جلسات المحاكمة في ثلاث جرائم مرتبطة باغتيال الحريري، بعد توقّف لبنان عن دفع حصّته من موازنتها، وامتناع معظم الدول المانحة عن تسديد تعهّداتها لعام 2021، فلم يُثِر عند الناس ردّة فعل تُذكر.

أيُعقل أنّ هذه هي المحكمة التي دفع اللبنانيون من أجلها من دمهم واقتصادهم وسلامة حياتهم الوطنية. المحكمة التي قُتل في سياق محاولات تعطيلها خيرة من النخبة السياسية والأمنيّة اللبنانية، وعُطِّل في سياق محاولات تعطيلها الدستور وأُقفلت المؤسسات؟

هنا الناس أيضاً في مكان آخر. لم تُثِر هذه الأخبار شيئاً حتى عند “جمهور المحكمة”. ليسوا ناكري جميل بالتأكيد. بيد أنّ لائحة رجاء اللبنانيين ازدحمت بالكثير من مطالب الحقيقة والعدالة. الحقيقة في انفجار المرفأ، والحقيقة في مَنْ بدّد أموالهم، والحقيقة حول هويّة من يصادر الوطن لحسابات ليست حساباتهم.

بدا بعيداً عن الحدث، الذي به يبرّر وجوده كل ساعة من كل يوم، ومفصولاً عن سياقاته وديناميته وعمّا سيليه، فلسطينياً وعربياً ودولياً. حاول رفع السقف عن القدس ومصير التعرّض لها، لكنّه كان يصرخ وحيداً في برّية قصيّة

مسكين رفيق الحريري.. لا كان يليق به قرار الإعدام، ولا يليق به اليوم أن تدخل قضيته مدار النسيان. حفرة اغتياله ابتلعتها حفرة المرفأ وثقب الاقتصاد الأسود. دمه صار رافداً وحسب لنهر الدم الذي أُسيل من عروق اللبنانيين.

لا المقاومة في حسابات الناس، ولا المحكمة أيضاً. الأولى تعيش في الوجدان بالكثير من الغصب وانتحال مشاعر الكبرياء الأجوف. والثانية تعيش في الذاكرة ملفوفةً بالكثير من المرارة والخيبة والشعور الحارق بالخسران.



تعلّمتُ من المصريين أنّ البلاد أكبر من كل المسمّيات. قال لي أحد أبناء النيل مستغرباً من بداهة فكرة المنفى عند اللبنانيين إذا خُيّروا بينه وبين التنازل عن الحرية: “بين مصر والحريّة أختار مصر”. بدا غريباً لي بمثل ما بدوت غريباً له، أنا الشاب الصغير الهارب باكراً عام 2003 من مذكّرة جلب أسدية بسبب حلقة تلفزيونية.

كم يبدو محقّاً اليوم. لا تحرير يُحتفى به بلا وطن. ولا حقيقة تشفي غليل القلب حين تُغتال بلاد بأكملها.

على خشبة الخراب اللبناني المديد تبدو قضايا اللبنانيين الكبرى أخيلة تصارع انطفاء شعاع الضوء الأخير..