الرئيسية / أبحاث / مئويّة لبنان الأولى: إشراقات وأعطاب ماذا عن المئويّة الثانية؟

مئويّة لبنان الأولى: إشراقات وأعطاب ماذا عن المئويّة الثانية؟

نشأ لبنان على ركيزتين أساسيتين. دستور برلماني واقتصاد ليبرالي.

الركيزة الدستورية تتمثّل بأن لبنان جمهوريّة ديموقراطية برلمانية يعود الحكم فيها الى أكثرية منبثقة من انتخاباتٍ شعبية، على أن تؤدّي الأقليّة المنتخبة دور المعارضة الرقابيّة على عمل الحكومة.

الركيزة الاقتصادية تتمثّل بأن لبنان ذات نظام اقتصادي ليبرالي يكرّس حريّة المبادرة الفرديّة، ويرسّخ فلسفة الدولة الراعية والناظمة، مع تركيز على العدالة الاجتماعية.

عاشت هاتان الركيزتان بين 1943 و1975، رغم تجربة صعبة عام 1958، إلى ان بدأ قضمٌ للسيادة مع اتفاق القاهرة عام 1969 انتهى بإنفجار حربٍ داخلية بامتداداتٍ اقليمية دولية، ليُطِل اتفاق الطائف عام 1991 ويُنهي الحرب، ويدخِل لبنان تحت وصاية سورية مُشرعنة دوليّاً وعربيّاً حينها لم تنتتهِ سوى العام 2005، لتتكرّس وصاية الأقوى من ثم مع تبلور سياق محاصصات بين قوى سياسية تحت شعار حكومات الوحدة الوطنية بتشويه انتهازي لما اصطُلح على تسميته بـ”الديموقراطية التوافقية”.

تحوّلت الحكومة الى مجلس نيابي مصغّر ما ضرب إمكان قيام معارضة رقابية فانهارت الركيزة الدستورية. سطت القوى السياسية الممثلة في الحكومة ومجلس النواب على مفاصل الإدارة والقضاء وحتى المنصّات الاقتصادية – المالية من باب تطويعها، فانهارت الركيزة الاقتصادية.

دخل لبنان حلبة فساد مقونن، واستحالت فيه الدولة بقطاعها العام مساحة غنائم متبادَلة، كما استنزف القطاع الخاص. غاب البحث في المعطى السياديّ. أوصال شكل الدولة المتبقّي تفكّكت. عُطِّلت علاقات لبنان العربيّة والدوليّة.

في 17 تشرين الأول 2019 ثار اللبنانيّون على الوضع المزري الذي أوصلتهم إليه الطبقة السياسية الحاكمة، مع موجب الاعتراف بأن هذه الطبقة ترسّخت ممارساتها بفعل اتكالها على قدرة استقطاب لقواعد انتخابية، وحمى هذه القدرة نظامٌ زبائني أقصى الأكفياء لصالح الأزلام، وحوّل الخدمة العامة من الحق المكتسب الى العطف التمنينيّ.

ثورة 17 تشرين الأول 2019 تحتاج بالإضافة إلى تزخيم الشارع إنخراطاً في إعادة تحديد هوية لبنان الدستورية والاقتصاديّة والسياديّة، وتموضعه في الحيّز العربي والدّولي بما يعيد إنتاج دوره الحضاري خصوصاً في ما يُعنى بإدارة التنوّع من حيث تكوينه الطوائفي، ما يفرض ميزاناً دقيقاً في المواءمة بين المواطنة المتكافئة والانتماءات المتمايزة.

ثورة في 17 تشرين الأول 2019 سانحةٌ تأسيسيّة فما هي إمكانيّات ترجمة إصلاحاتٍ بنيويّة من خلالها على كلّ المستويات؟

1- في المستوى السياسي

إنّ استمرار القيادة السياسية الحاليّة محتكرة بشخصيات محدّدة تصادر كلّ منها طائفتها أو بعضاً من طائفتها، مستنفرةً دفاعاً عن حقوق، أو توسّلاً لضمانات، هذا الاستمرار يؤكّد مقتلة نُبل ممارسة السياسة خدمةً للخير العام بناءً على منافسةٍ بين برامج متكاملة في المالي، والاقتصادي، والاجتماعي، والبيئي، والتربوي، والثقافي، والديبلوماسي، والقانوني، والحقوقي، والإداري، والسيادي.

من هنا يتبدّى ملِحّاً العمل الجاد لإعادة إنتاج نظام المعارضة والموالاة، وقد يكون هذا التحدّي الأول للثورة في ما بين مكوّناتها بعد أن تتمكن من إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، أو التخفيف التدريجيّ من سطوتها على الانتخابات النيابية المقبلة، والموجب الضغط باتجاه إجرائها مبكراً بناءً على قانون انتخابي يراعي مقتضيات الدستور، ولِمَ لا على قاعدة القانون الانتخابي القائم لتفويت الفرصة على خُبث الباحثين إجهاض الانتخابات بحجّة القانون.

2- في المستوى الاقتصادي

الاقتصاد الحرّ في لبنان لا ينفي الحاجة أبداً الى واجب إعادة بنائه على قاعدة الاتساق التخطيطي بين القطاعات الخدماتيّة وتلك المنتِجة، بما يزيل عنه سِمة الاقتصاد الريعي الاستهلاكي حصراً حيث تنتفي فيه الاستثمارات في القطاعات المنتِجة كما جرى في العقود الأخيرة، مُضافاً الى سوء حوكمة، ما أودى بالبلاد الى أزمةٍ خانقة استُهلَّت مالياً في موازاة اختناق اقتصادي وارتفاعٍ في معدّلات البطالة، ناهيك بترهّل في البنى التحتية وخدمة الطاقة، وصولاً الى قيام اقتصاداتٍ موازية غير شرعية. كلُّ كلامٍ عن اقتصادٍ ريعيّ وأخَر إنتاجيّ دون سِماتٍ علميّة ليس سوى من قبيل الشعبويّة.

3- في المستوى الاجتماعي

إنّ العقد الاجتماعي بين اللبنانييّن أكّد على إنتمائهم لدولةٍ مدنيّة وهذه لُبنة مؤسِّسة في المواطنة، وأكّد بموازاة ذلك احترام الطوائف المؤسِّسة للكيان اللبناني، من هنا أتت صيغة الحُكم فيه شراكةُ متوازنة فيما بين الطوائف، مع فلسفة ميثاق تقارب الحياد في ما يُعنى بـ “اللاشرق واللاغرب”. وعنى الميثاق وبعده ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني، عنى إنتماء لبنان لهويّته العربية، وهو العضو المؤسِّس في جامعة الدول العربية، كما ارتباطه بالأُسرة الدولية، وهو العضو المؤسِّس في الأمم المتحدة والمشارك في صوغ الشُرعة العالمية لحقوق الإنسان. إن هذا التوازن الانتمائي للبنانييّن في ما يُعنى بمواطنتهم وتمايزاتهم الطائفية، كما في حيادهم والتصاقهم بالعالم العربي والأسرة الدوليّة، يؤهّل لبنان ليكون نموذجاً حضارياً في صون كرامة الانسان بالاستناد الى معطى الحرية السياسية والدينية وحرية الضمير والعدالة الاجتماعية، وحُسن إدارة التنوّع.

4- في المستوى القضائي

القضاء أساس قيام دولة القانون والمؤسسات. والقضاء في لبنان باعتراف مخضرمين من آبائه وبناته تعرّض لمسار تطويعيّ تزلّمي للسًلطة السياسية في العقود الأخيرة، دون أن ينفي أبداً هذا الواقع تمرّس قضاة في صون مناعة استقلاليتهم وحصانة نزاهتهم. لكنّ الحق يُقال بموجب تحرير السُلطة القضائية من استشراء التدخلات السياسية فيها، بالاضافة الى موجِب إعادة هيكلة للإجراءات القضائية بناءً على تحديثاتٍ تشريعية في كل القطاعات، وعلى كل المستويات. ولمّا كان اهتمام الرأي العام منكبّاً على ضرورة إقرار قانون استقلالية القضاء، فإن تحرير ذهنية القضاء والقُضاة من أن ثمّة سُلطة سياسية تمتلك حق الفيتو والإيعاز والأمر عليهم يعادل بأهميّته إقرار هذا القانون، بما يعيد لهؤلاء قدرتهم الزجريّة الأخلاقيّة.

5- في المستوى الإداري

أطبقت السُلطة السياسية سطوتها على الإدارة العامة بعد القضاء. تحوّلت الإدارة الى نظامٍ زبائني يدخل إليه الأزلام والمستزلمون بغية الانتفاع بعيداً عن أي انتاجية، أو حتى مسار تعيين بالكفاءة متبوعاً بتقييم أداء، وقد بلغ الأمر حدّ استحداث وظائف دون توصيفٍ وظيفي، ناهيك بابتكار أنماط توظيف لا تخضع للمعايير المهنية والمؤسساتية. سقطت معادلة الكفاءة ونظافة الكف في التعيينات، وحلّ محلها علناً تقاسم حُصصٍ حزبية بمعيار طائفي – مذهبي، فباتت الإدارة محميّاتٍ حين تتقاطع تصنع مصالح زعمائها، وحين تتناقض تتعطّل من خلالها مصالح المواطنين المنتهكة أصلاً.

من هنا يتبدّى ملِحاً، وعلى غرار القضاء، تحرير الإدارة من تسلُّط خيارات الغنيمة التي تمارسها السلطة من خلالها، وهذا يقتضي إعادة هيكلة لها بالمعنى الترشيقي كما مكننتها وصولاً الى موضعة مكافحة الفساد فيها قناعةً والتزاماً بالاستناد الى منظومة مساءلة ومحاسبة متكاملة تُستهل بحُسن اختيار الرجل / المرأة المناسب(ة) في المكان المناسب، مع إعادة الاعتبار للحوكمة السليمة للموارد والمؤسسات على حدٍّ سواء.

6- في المستوى السيادي

لم ينجز لبنان حتى الساعة منظومة أمن قومي متكامل. والأمن القومي جزءٌ منه ذاك العسكري الهجومي أو الدفاعي، والأمني الاستعلامي الوقائي والاستباقي، فيما الأجزاء الأخرى تٌعنى بالاقتصادي، والطاقوي، والسيبراني، والصحي، والبيئي، والمالي، والثقافي، والاجتماعي، والديبلوماسي، والتشريعي، والإعلامي، وكل هذه الأجزاء مبتورة الإمكانات ومحدودة الفاعلية، وقد خضعت لمصادرات من محتكري السُلطة السياسية كلٌّ بحسب طموحاته وارتباطاته الإقليمية والدّولية. لكن المعطى العسكري حتماً مع وجود رديف للدولة وما فوقها، يستحق مقاربة هادئة وعميقة ونقديّة.

من هنا يتبدّى ملِحاً البحث المعمّق في بناء منظومة أمن قومي تخدُم هوية لبنان الوطنية، مع تحديدٍ دقيق للدور الممكن أن يلعبه على المستويين الإقليمي والدّولي.

إنّ الإطلالة على ما سبق يشي بأنّ في لبنان في مئويّته الأولى خللاً بنيوياً قائماً في ما يُصطلح تسميته بـ”الحوكمة السليمة”، مع تشويه للمفاهيم المؤسِّسة للكيان، كما تشويه مسارات حوكمته، كما في ضرب هوية المواطنة الحاضنة للتنوّع، خلوصاً الى تحويله دولة فاشلة على كلّ المستويات، وهذا يستدعي بلورة خارطة طريق لكلّ من المستويات التي عرضنا تعيد تحديد الميزات التفاضلية لهذا الوطن – الرِّسالة، إذ إنّه من المُلِح نقل الإبداعات الفردية الى جماعيّة فننتقل من حالة السُلطة الى دولة السياسات العامة.

في المئويّة الأولى كانت إشراقات وإنهيارات وثورة… ماذا عن المئويّة الثانية… هل سنُننقِذ فيها الصّيقة والميثاق أم لبنان آخر بانتظارنا؟ أخاف أنَّ النهايات عندنا لَن تؤَّدِي أبداً الى بدايات!