الرئيسية / home slide / مئويّة الرّابطة القلميّة بين الأصيلة الناجحة والنّسخة المتعثّرة

مئويّة الرّابطة القلميّة بين الأصيلة الناجحة والنّسخة المتعثّرة

27-11-2020 | 22:00 المصدر: النهار العربي- أمين ألبرت الريحاني

أمين ألبرت الريحاني

قد يكون أفضل تكريم لمئويّة الرابطة القلميّة في نيويورك هو العودة إلى تصويب عدد من الالتباسات التي رافقت تأسيسها ونشاطاتها وأخبارها. ما أعرفه في تأريخ المؤسسات والجامعات والجمعيات، شرقاً وغرباً، أنه يبدأ ببداياتها الأولى والباكرة مهما لحقها من تعديلات وتبدلات في مراحل لاحقة. وذلك حفظاً للأمانة التاريخية واعتماداً للدقة المتوخاة. والغريب في تأريخ الرابطة القلمية في نيويورك أن البعض يصرّ على العام 1920 تاريخاً لتأسيس الرابطة. في حين أن الوثائق والمستندات تشير إلى أن تاريخها يعود إلى العام 1916 على صفحات مجلّة الفنون في نيويورك لصاحبها نسيب عريضة. إذ كان معظم أعضائها ينشرون في تلك المجلّة ويوَقّعون أسماءهم مُلحقة بعبارة “عضو الرابطة القلميّة”، ومن بينهم القطبان الرئيسان في الرابطة جبران والرَّيحاني.  والقديم الجديد حول هذا الموضوع أن الباحث الأميركي د. ريتشارد ألان بوب (Richard Alan Popp)، في أطروحة له لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة جورجتاون في واشنطن العاصمة، حول مجلّة الفنون، أثار عدداً من الملاحظات الهامة التي تلقي الضوء على داخل الرابطة القلمية وعلى طبيعة العلاقة بين أعضائها. هذه الملاحظات التي تعود إلى نحو عشرين عاماً لا تزال حتى اليوم قابعة في زوايا النسيان، لأنها كشفت أموراً لم تكن معروفة من قبل، وربما تحمل في طيّاتها ما يساعد على كشف الحقيقة التي لا يهتم بها الكثيرون.  يقول Popp إن جماعة الرابطة زمن “الفنون” توزّعوا إلى مجموعتَين ثقافيّتين: واحدة متأثرة بالآداب الأوروبيّة والروسيّة، وهي بزعامة جبران ومناصرة نسيب عريضة وميخائيل نعيمة وعبد المسيح حداد وندرة حداد، وسواهم؛ وأخرى متأثرة بالآداب الأميركية والإنكليزية، وهي بزعامة أمين الرَّيحاني ومناصرة الشيخ سليم يوسف الخازن وحنا خبّاز وفيليب الخَولي وحنا عبد الله نصر والياس صبّاغ وسواهم. وهؤلاء جميعاً نشروا في مجلّة الفنون، برغم انتمائهم إلى واحدة أو أخرى من المجموعتين المذكورتين أعلاه. ويعتبر عيسى بُلّاطة، في دراسة له حول الشعر المنثور، نشرتها مجلّة العربية، أن الريحاني برغم كونه “الأب المؤسس لحركة الشعر المنثور، في الأدب العربي الحديث، غير أنه، بين رفاقه المهاجريين، الأوسع ثقافة والأكثر اطلاعاً على شؤون الآداب الأميركيّة المعاصرة”. كلام بلاطة جاء تأكيداً لملاحظات Popp بصورة مباشرة وغير مباشرة. ويضيف Popp مسانداً ملاحظات بُلّاطة بتقديم صورة حيّة عن “رفاق الريحاني” بشَرْحٍ لافت: “كان رفاق الرَّيحاني، من ضمن جماعة الرابطة، يتميّزون بالاستقلالية الثقافية وبالشخصية المميّزة، كما يتمتعون بآرائهم الصلبة والخاصّة بهم. وكان الرَّيحاني يمثّل هؤلاء الكُتّاب العرب الأميركيين ويتزعّم حركتهم ضمن الرابطة وخارجها وضمن مجلّة الفنون وخارجها”. أما أهداف الرابطة المعلنة عام 1920 فلم تكن لتختلف عن أهدافها التي عُرِفَت بها عام 1916. وفي الحالين لم تكن تلك الأهداف لتبتعد عن نظرة جبران ومفهومه للأدب كما جاء في كتاب “نبي” لمؤلفه روبن ووترفيلد Robin Waterfield. وإذا عدنا إلى تلك الأهداف لوجدناها تعوّل على فكرة التجديد الأدبي وعلى العفوية والبساطة في اللغة والخروج عن كل تقليد أدبي يهتم بالشكل أكثر من اهتمامه بالمضمون. بذلك يكون الأدب، نثراً وشعراً، قريباً من هموم الناس، عاكساً شؤونهم وشجونهم بلغة مستلّة من الحياة لا من التقاليد والأعراف والقوالب الجامدة الميتة. ويردف Waterfield قائلاً: “إن الرّيحاني كان هو السبّاق لتحقيق تلك الأهداف”.  هل يعني كل ذلك أن الرابطة القلميّة الأولى تشكّلت من “جماعتين”، جماعة الريحاني وجماعة جبران، في حين أن الرابطة الثانية تشكّلَت من جماعة جبران من دون “الجماعة” الثانية؟ هذا في الشكل، أما في الجوهر، وطالما أن الريحاني كان “السباق لتحقيق تلك الأهداف” فلماذا لم يبقَ، هو و”جماعته” في الرابطة الثانية؟ في نظرة عاجلة على اهتمامات الرّيحاني بين 1918 و1921، أي في السنتين قبل إطلاق الرابطة الثانية مجدداً، وسنة خلال إطلاقها، وسنة بُعَيد إعادة إحياء الرابطة، نلاحظ الآتي: 1) على الصعيد الأدبي، نشير إلى أن الرَّيحاني انصرف إلى الكتابة باللغة الإنكليزيّة بين 1918 و1921، فنشر مقالات في النقد الفني في مجلات الاختصاص الأميركية أمثال The International Studio و The Print Connoisseur وهما من أبرز مجلات النقد الفني في الولايات المتحدة آنذاك.  2) عام 1919 انضمّ الريحاني لعضوية نادي الكُتّاب الأميركيين في نيويورك المعروف باسم The Authors’ Club ، وكان الكاتب العربي الوحيد الذي رُشِّحَ لعضوية هذا النادي وقُبِلَت عُضويّته بين سائر الأعضاء الأميركيين. وعُيّن الريحاني عضواً في عدد من اللجان الإدارية والثقافية في هذه المؤسسة الأدبية المميزة. 3) في هذه الأثناء، عكف على إنجاز مؤلفاته الإنكليزية الجديدة، فصدر له عام 1920 كتاب “تحدر البلشفية”  The Descent of Bolshevism الذي ركّز فيه على حركات سياسية عربية مماثلة كحركة المصدقيّة والخوارج والقرامطة والتنويريّين وسواهم. وفي العام التالي، أي 1921، صدرت له مجموعة شعرية بالإنكليزية بعنوان “أنشودة الصوفيين” وقصائد أخرى A Chant of Mystics and Other Poems حيث تبرز النزعة الصوفية عند الريحاني في أنقى وجوهها بلغة شعرية حديثة. وفي العام نفسه صدر له كتاب “جادّة الرؤيا” The Path of Vision مقالات تبني جسوراً بين الشرق والغرب. نحن في معرض الحديث عن الرابطة القلميّة فلماذا انتقلنا إلى الحديث عن الريحاني؟ إنه الجواب الجوهري، برأيي، الذي يبرر سبب خروج الريحاني من الرابطة القلمية الثانية. فقد اعتبر أن أهداف الرابطة الثانية هي مجرد امتداد لأهداف الرابطة الأولى، ولا من جديد في الرابطة الثانية. أضف إلى ذلك انشغاله آنذاك بمقالات نشرها قي مجلات أميركية أخرى أمثال Asia, Bookman, Forum, Travel وجميعها من المجلات الطليعية الجامعة بين الأدب والسياسة. فالريحاني في تلك الفترة كان قد تجاوز فكرة التجديد اللغوي والأدبي إلى فكرة “دور الأديب الملتزم” ومهمته التنويرية في نهضة الأمة ونهضة الإنسانية. ولهذا السبب خرج الريحاني عن أهداف الرابطة التي إن شكلت منعطفاً أساسيًّا في تاريخ الأدب العربي فهي لم تلحق بأهداف الريحاني الجديدة وأبعاد الأدب الملتزم الذي يطرح معضلة المستقبل القومي والإنساني على السواء. أما جبران فقد ظلّ في سياق التجديد اللغوي والتجديد الأسلوبي ضمن الإطار الذي وضعته الرابطة لنفسها منذ العام 1914. وقد نجح جبران في ابتداع لغة جديدة خاصة به شعراً ونثراً إلى درجة أنها عمّت أنحاء الأرض قاطبة وأُشكل على القارئ من أين يأتي صاحبُها، أمن الهند أم من الصين، أم من البلاد الإسكاندينافية أم من العالم الجديد. لكل هذه الأسباب نجح جبران في طريقٍ عبّدها بنفسه ولنفسه، ونجح الريحاني في طريق هندسها بنفسه لقومه وللإنسانية جمعاء. أما سائر “الرابطيين” فقد سجلوا منعطفاً تاريخيًّا في مسار الأدب العربي المعاصر ولم يتمكنوا من تجاوز الكتاب الأول للرابطة الصادر في نيويورك نهاية عام 1920. فوجد القارئ نفسه يحتفل بها مرة كل مئة عام، ويحتفل بزعيمَيها كل عام بل كل يوم.