مئوية «لبنان كبير»: ورشة التاريخ في مواجهة الأساطير الرسمية

وسام سعادة
02092019
القدس العربي

بعد أسابيع قليلة على نجاح القوة الاستعمارية الفرنسية في تقويض المملكة العربية السورية في إثر ميسلون، أعلن الجنرال هنري غورو مطلع أيلول 1920 تأسيس أربع دول إداريّة لحكم سوريا، هي لبنان الكبير، (1920-1926)، ودمشق (1920-1924) وحلب، (1920-1924)، واقليم العلويين (1920-1922، ثم دولة العلويين 1922-1936)، وأتبعها في العام التالي بدولة السويداء أو جبل الدروز (حتى 1936).
جرى استحداث هذه الكيانات في غمرة الحرب التي كانت تخوضها فرنسا، وإلى جانبها «الفيلق الفرنسي الأرمنيّ» ضد حركة الاستقلال التركية، وكان لهزيمة فرنسا في «حملة قيليقية»، التي قادها غورو، الأثر البالغ على مآل السيطرة الكولونيالية في البلاد السوريّة نفسها، وعلى المسار المنفصل، إنّما المركّب والمليء بالمفارقات، الذي سينجح الكيان اللبناني في تجميع عناصره، بدءاً من عدم ضمّه إلى «الاتحاد السوريّ»، مروراً بـ«الجمهورية اللبنانية» عام 1926، ووصولاً إلى فشل مؤتمر الساحل عام 1936 في معاكسة هذا المسار، وتراجع مطلب «الوحدة السورية» فيه بعد ذلك، لصالح كل من «اللبنانوية» من ناحية، و«العروبة الموسّعة» من ناحية ثانية، فضلاً عن الأنماط غير المحسوبة من التداخل بين الكيانية اللبنانية والعروبة الموسّعة.
في وقت تعاملت فيه الذاكرة السوريّة مع كيانات غورو على أنّها «تروما» تعمل على طمسها، فقد غلبت النظرة في لبنان، حتى بعد استقلاله عن فرنسا، على اعتباره وطناً باستقلالين، أحدهما هو الاستقلال الذي أوجدته فرنسا بإقامة الكيان، والآخر من خلال جلائها عنه.
وهكذا، وفيما تتأهب فعاليات لبنانية، تحت رعاية رسمية واهتمام دؤوب من رئيس الجمهورية، لإحياء مئوية «1 أيلول 1920»، يظهر أن أوّل شرط لإيفاء النظرة التاريخية حقّها هو التنبّه إلى أنّ الحدث جاء مشتركاً بين جملة دول أعلنها الجنرال غورو، من دون أن يعني ذلك نفي الاختلاف منذ البدء بين حيثيات «توسعة» جبل لبنان ليصبح هو «لبنان الكبير» وبين حيثيات توليد الدول الإدارية السوريّة الأخرى.
تجعلنا هذه المئوية أمام مناسبة فعلية للابتعاد عن جملة من المكابرات التي لا يمكن أن تنبثق منها رابطة وطنية فعلية. مع هذا، يظهر أنّ الغلبة في هذا الإحياء هي لمناخ من تسويد صفحات الماضي العثماني كلّه، مع أنّ «استقلال 1920» كما قدّم نفسه كان استقلالاً عن سوريا الفيصلية التي لم تعد موجودة أصلاً بعد ميسلون، وهو إحياء يسكنه إما تمييز اللبنانيين، وإما التجاهل الصلف للاختلاف العميق بين أسلاف اللبنانيين اليوم، الذين توجه إليهم غورو في خطابه «التأسيسي» من قصر الصنوبر بصيغة «الشعب في الأقاليم التي يهيمن عليها جبل لبنان». وطبعاً، ليس الحل في المقلب الآخر الانصراف إلى إحياء تهويميّ هوياتيّ مضاد هو الآخر، فالتفلّت من «العثمانوفوبيا» ضروري للتأريخ وللذاكرة، كما لتوسيع النظرة إلى الحاضر والمستقبل، لا يكون بالانصراف إلى «عثمانوفيليا مذهبية»، أو إلى «المارونوفوبيا» أو ما شاكل.
لأجل هذا، من الصعب للغاية إيجاد عناصر تلاقي بين الاحتفالية الرسمية بمئوية لبنان الكبير، وبين الحاح ورشة تنقيب وتصارح وتفاعل تعددية ونقدية لا تهمل الاشتراك في الحدث بين «لبنان الكبير» وبين الدول السورية الكولونيالية الأخرى التي أعلنها غورو، ولا تختزل أسباب الاختلاف بين المآلات والمصائر بين التجربة اللبنانية وبين هذه الكيانات.

لبنان الكبير بمفارقاته الأساسية ولد عملياً في صيف 1922، في تناقضات حركة مقاطعة شركة الترامواي.. ترامواي بيروت الذي لم يعد موجوداً، ولهذا تاريخ آخر، أو حرب أخرى على التاريخ

من بين جملة من الكتب القيّمة نشرت في السنوات الأخيرة وتؤسس لهذه الورشة، يحتفظ كتاب المؤرخة اللبنانية كارلا إدّة «بيروت. ولادة عاصمة» (2009، بالفرنسية) بامتياز أساسي. فهي تعيد لحظة ولادة كل من القومية العربية والكيانية اللبنانية إلى العام 1908، أي إلى أعقاب ثورة تركيا الفتاة التي أعادت العمل بالدستور، لكن بخلاف الفكرة القومية العربية التي ازدهرت خصوصاً في ولاية بيروت مع تصاعد الخيبة ثم الاحتقان من تركيا الفتاة، فقد ولدت الكيانية اللبنانية من حركة الرفض داخل متصرفية جبل لبنان للمشاركة في انتخابات مجلس «المبعوثان» العثماني المعاد احياؤه. وفي وقت تطوّرت فيه الفكرة القومية العربية ضمن ولاية بيروت، التي كانت تمتد من اللاذقية إلى حيفا، في إطار السعي إلى لامركزية عثمانية، وفي إطار المطالبة باعتماد المناصفة الإسلامية المسيحية داخل هذه الولاية (مع أن ثلث سكانها من المسيحيين)، فقد وجدت المطالبة الكيانية اللبنانية تعبيرها الأوّل في كتاب جوبلان (بولس نجيم) الذي لم يأت على ذكر «استقلال» أو إقامة دولة، بل طالب اللبنانيين بتوسعة المتصرفية إلى «حدود لبنان الطبيعية»، وطالب في موضع آخر بـ«استعمار بلادهم، سوريا» بدلاً من الهجرة عبر المحيطات إلى الأمريكيتين.
لكن أهم ما رصدته إدّة في «ولادة عاصمة» هو أنّ الاستجابة الفرنسية لمطالب الكيانيين اللبنانيين المسيحيين سرعان ما قابلتها أولوية فرنسية معطاة للاستمرار بسياسة الأعيان العثمانية، وبالتالي العمل المنهجي على التقرّب من النخب التجارية السنية الوحدوية في بيروت. وهي تذكرنا هنا بمعادلة أساسية لا سبيل لإحياء مئوية «صحية» لـ«أيلول 1920» إلا بها، وهي أنّ بيروت كانت في مطلع العشرينيات، وفي نفس الوقت، عاصمة للبنان الكبير من جهة، وعاصمة لعموم المشرق «الفرنسي» من جهة ثانية، وقد حرص الفرنسيون على تعزيز الإدارة الذاتية لبيروت بشكل أساسي، وعلى دعم المحاكم الشرعية والأوقاف الإسلامية للتقرّب أكثر ما يمكن من النخب الإسلامية فيها. في المقابل، أمضى أعيان المسلمين فترة من الزمن متقلبين بين رفض «لبنان الكبير» من حيث المبدأ، وبين مصلحتهم في أن لا يعاملوا كأقلويين في ديارهم، فكانوا منذ البدء داخل وخارج النظام الذي شرع الفرنسيون في بنائه، والذي انتاب الموارنة سريعاً الشعور بأنّه لم يعد تماماً لهم، وبأنّه سيكون لهم أقل وأقل.
لكن أهمّ ما وفّره عمل كارلا إدّه هو تعيين لحظة ولادة الوطنية اللبنانية «العملية»، بكل مفارقاتها. كان ذلك صيف 1922، مع حركة مقاطعة شركة الترامواي البلجيكية التي انطلقت من المناطق المسيحية، وتحديداً من فرن الشباك، ومن أجل تخفيض سعر التذاكر. انتشرت هذه الحركة من المناطق المسيحية باتجاه تلك المسلمة، وتعاون على التعبئة لها «قبضايات» الجميزة والمنارة والبسطة سواء بسواء. تخوّف الفرنسيّون من أن يكون وراء هذا الحراك معادون عقائديون ضد الاستعمار وأقلقهم خروج الوضع ـ أمنياً ـ عن السيطرة، في وقت حرص فيه منظمو التحركات على رفع العلمين الفرنسي، واللبناني الفرنسي. في نفس الوقت، عمل الفرنسيون للتقرّب أكثر من النخب الإسلامية لمواجهة حركة مقاطعة الترامواي، استشعاراً بأنّ الثقل الأساسي للحركة كان مسيحياً.
تطلق كارلا إدّة على ما انتاب أهالي بيروت ذلك الصيف تعبير «الوطنية الاقتصادية». وطنية «عملية»، من تحت إلى فوق، لكن مؤيدة من الصحافيين المحليين وجملة محامين. اخترقت الحاجز الطائفي وأعادت تدويره في نفس الوقت. تقابل ذلك بما طغى في تلك الفترة أيضاً. فمع هزيمة الفرنسيين في قيليقية، تدفق اللاجئون الأرمن باتجاه بيروت، واستقبلوا بسلبية ليس فقط من قبل المسلمين، بل أيضاً من قبل المسيحيين. هذا بخلاف اهتمام مطران الروم الأرثوذكس في وقت سابق بالتداعي للاهتمام باللاجئين من ويلات الحرب الأهلية الروسية. بخلاف النظرة اللاتاريخية الحالية، تبرز كارلا إدّة إنّه في تلك المرحلة رفض المسيحيون اللبنانيون بشدّة تجنيس الأرمن، وطالبوا بإبعادهم عن الأشرفية قدر المستطاع، وظهرت منشورات ضد تحويل لبنان إلى «أرمينيا ثانية». كما تلتقط من الناحية الأخرى وقائع استنجاد شركة الترامواي حين حاصرها المنتفضون عليها، بعصابات من الأرمن. في الموازاة، كان هناك طبعاً أرمن يشكلون تنظيمهم الشيوعيّ في تلك المخيمات، ليصبح نواة الحزب الشيوعي السوري كله. لبنان الكبير بمفارقاته الأساسية ولد عملياً في صيف 1922، في تناقضات حركة مقاطعة شركة الترامواي.. ترامواي بيروت الذي لم يعد موجوداً، ولهذا تاريخ آخر، أو حرب أخرى على التاريخ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*