“مئوية لبنان الكبير” احتفالٌ أم “تذكارٌ للموتى”؟

مسيحيو “التيار الوطني الحر” في لبنان حلفاء لـ”حزب الله” الذي يمثل مع شريكته “أمل” غالبية شيعته. انطلاقاً من ذلك فإنهم يتبنّون حزبياً ورسمياً من خلال وصولهم الى رئاسة الجمهورية مواقفه وأهمها الثلاثية الذهبية “الجيش والشعب والمقاومة”، واستمرار سلاح “الحزب” و”استقلاليته” عن الدولة. ويشارك هؤلاء موقفهم مسيحيو “تيار المردة” حليف “حزب الله” بدوره. أما المسيحيون الآخرون الذين يمثلهم حزب “القوات اللبنانية” فموقفهم مناقض تماماً لموقف التيار. فهم يعتبرون “الحزب” ومقاومته ميليشيا تعمل خارج الشرعية وتسيطر على مواقع مهمة داخل الدولة وهذا أمر تجب معالجته، ويشارك هؤلاء نظرتهم مسيحيو الأحزاب المسيحية الأقوى الأقل تمثيلاً شعبياً في هذه المرحلة. والفريقان المسيحيان يقولان علانية إنهم مع اتفاق الطائف لكن الأول مع التفسير الشيعي له والثاني مع التفسير السنّي له. ولكل من التفسيرين سند إقليمي مهم الأمر الذي جعلهما بإرادتهما الحرة أو بسبب مصالح قادتهما جزءاً من حرب اقليمية ضارية، لن تكون نتائجها أياً يكن المنتصر فيها في مصلحتهم. لهذا السبب لا بد من متابعة الوضع المسيحي اللبناني من قرب وبدقة وموضوعية، وعدم الاكتفاء بالمواقف المصلحية التي يتخذها زعماؤهم من أي قضية تطرح وطنية كانت أو طائفية أو مذهبية. ذلك أن السطحية والارتجال في هذا المجال يوصلان الى استنتاجات خاطئة. وهذه المتابعة جارية وهي تشير الى وحدة وإن غير منسقة لمواقف القواعدالمسيحية رغم اختلاف القادة والزعماء. علماً أن رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل بدأ يعبّر عن تذمّر مسيحي، ويعمل لتكريس أعراف عبر ممارسات مناقضة للدستور والميثاق الوطني الجديد أي اتفاق الطائف، معيداً أو محاولاً إعادة الدور المسيحي في البلاد الى ما كان عليه ليس عشية حروب 1975 بل غداة الاستقلال عام 1943. فهو يكبّر مشكلة النازحين السوريين الى لبنان، وهي كبيرة أصلاً، خوفاً من توطين محتمل لهم مع الوقت في حال عدم إعادتهم الى بلادهم، وإن لم تنته الحرب فيها بعد، ومن شأن ذلك جعل الاختلال الطائفي والمذهبي فادحاً في البلاد والمسيحيين أقلية صغيرة فيه. وحزب “القوات” الذي لا يختلف التفكير المسيحي لقواعده عن تفكير قواعد “التيار” اضطر عبر وزيره كميل أبو سليمان الى التصدي لأزمة فلسطينيي لبنان من أجل إرضائها. علماً أنه كان سابقاً وقبل “تفاهم معراب” الذي مات بل شبع موتاً ماشى “التيار” في قانون الانتخاب الطائفي والمذهبي الذي سمي مجازاً الارثوذكسي. والقواعد المسيحية للأحزاب الأخرى لا تختلف مواقفها كثيراً عن الحزبين الأكبر.

الى ذلك يُلاحظ من يتابع وضع مسيحيي لبنان من قرب أن النقاش غير الرسمي ولكن الواسع يشير الى خيبة مسيحية من لبنان الكبير والى رغبة في السعي الى استعادة لبنان الصغير. وربما يسمع اللبنانيون قريباً مقولة سادت قبل الحروب وخلالها في لبنان تفيد “أن لبنان يهتز اذا كبُر ويعتزّ اذا صغُر”. وهذه دعوة الى لبنان الصغير. والملفت في هذا المجال أن المسلمين سنّة وشيعة يشعرون بهذا الأمر ولا يرتاحون اليه. لكن انقسامهم يحول دون نجاحهم في إعادة تطبيق الطائف كما وضعه نواب لبنان وليس كما طبقته سوريا أي جزئياً وبعيداً من روحه والنص. إذ أن كلاً من فريقيهم الأكبر يظن أنه يستطيع بالاستناد الى المسيحيين أو بعضهم الإمساك لوحده بالبلاد. الا أن هذا الانقسام لا يعني أنهما معاً غير منتبهين الى ما يعتمل في الشارع المسيحي، ولا يعني أن الأقوى بينهما مخدوع من حليفه المسيحي. فعينه عليه في استمرار. انطلاقاً من ذلك على المسيحيين أن يعوا ويدركوا خطورة المرحلة ويخططوا جيداً كي لا يقعوا في النقصان في حين يطالبون بالزيادة. وقد يحقّق تصرفهم الطائفي والنابع من مصالح قادتهم وطموحاتهم وتنافسهم أعجوبة استعصت قروناً طويلة وهي جمع سنّة لبنان وشيعته بحيث تصبح كلمتهم الأوزن. وهذا أمر ممكن إذ حصل في حروب الـ16 سنة وكان السنّة القادة لأنهم الأقوى. واليوم فإن الشيعة قد يصبحون القادة لأنهم الأقوى. طبعاً يستبعد البعض هذا الاحتمال. لكنه يجزم بأن استمرار “التيار” ورئيسه بسياسته والشارع المسيحي بدفع قادته الى التطرّف سيوصل لبنان الى “المثالثة”. فهل يرضي الثلث المسيحيين وهم لم يكتفوا “بنصف” الطائف؟ واذا كانوا يفكرون في لامركزيات فيديرالية أو بتقسيم تبعاً لما يمكن أن يحصل في المنطقة فعليهم إعادة النظر لأسباب كثيرة يعرفونها.

لماذا هذا الكلام اليوم؟ لأن التحضير جار للاحتفال بمئوية لبنان الكبير الذي أعلن في أول أيلول 1920 العام المقبل في وقت بدأ مسيحيون كثر فيه يحنّون الى لبنان الصغير، وبدأ مسلمون يملّون من تعنتهم وابتعادهم عن الاتزان والحكمة اللذين لا يعنيان أبداً قبول تحوّل مسيحيي لبنان أهل ذمّة. ولأن مسؤولي لبنان من المسيحيين وقادتهم غائبون عن الوعي، اذ يعتبرون تجربة العيش المشترك بين الطوائف والمذاهب والأديان ناجحة فيه ويحاولون غش العالم بهذه المقولة للحصول على دعم ومساعدات عامة وخاصة. لكن العالم هذا يعرف ولم تعد تنطلي عليه الألاعيب إلا إذا كانت في مصلحته. واذا استمر هؤلاء في نهجهم فإن لبنان لن يحتفل بمئوية لبنان الكبير الناجح بل سيكون الاحتفال شبيهاً بـ”تذكار الموتى” الذي يمارسه المسيحيون مرة كل عام. طبعاً يعود بعض المسيحيين اليوم الى تحميل الموارنة مسؤولية ضعف ديموغرافيتهم في لبنان، لأنهم رفضوا ضم وادي النصارى السوري المسيحي الى لبنان لكونه ارثوذكسياً. وهي مسؤولية في محلها. لكن ذلك لو حصل كان أخّر بعض الشيء ما يعيشه مسيحيو لبنان. إذ أنّ الخلل الديموغرافي فيه لا تعالجه إلا الدولة الجدّية المدنية الديموقراطية. ولا أظن أن مسيحيي سوريا أفضل كثيراً من مسيحيي لبنان مع احترامي لهم.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*