مئة عام على ولادة إحسان عبد القدوس (1919 – 1990) كَتَبَ ما لم يجرؤ أحدٌ على كتابته في تمجيد الجنس وإشعال النيران الغرامية

ربما تعرَّض الروائي والصحافي المصري إحسان عبد القدوس (1919 – 1990) للظلم على يد بعض النقّاد في لبنان والعالم العربي، ولم يشفع له نصفه اللبناني (والدته السيدة روز اليوسف اللبنانية المولد والأصل والتركية الجذور) ولمعان مجده الصحافي. فقد كانت النظرة إليه أن اغلب رواياته تنتهي إلى السرير وعالم الجنس والإباحية، وأحياناً في قالب من تعبيرات الحب المبتذلة. لكنه ظلّ يعتبر من الروائيين العرب الذين تناولوا الحب بجرأة، لذلك ربما شكّل أدبه نقلة نوعية في الرواية العربية، وتحولت أعماله وقصصه إلى أفلام سينمائية، فنجح في الخروج من المحلية إلى العالمية وترجمت معظم مؤلفاته إلى لغات عدة.

استقى احسان عبد القدوس أدبه وفنه وانفتاحه من والدته الصحافية والممثلة روز اليوسف، وكذلك من والده الممثل والمؤلف المصري محمد عبد القدوس. نشأ احسان في بيئتين مختلفتين ومتكاملتين في الآن نفسه. إذ كان جدّه يقيم ندوة لعلماء الأزهر وما إن ينتهي منها حتى تبدأ ندوة والدته وفيها كبار الشعراء والسياسيين والفنانين، ويعلّق إحسان: “كان الانتقال بين هذين المكانين المتناقضين يصيبني في البداية بما يشبه الدوار الذهني حتى اعتدت عليه بالتدريج واستطعت أن أعدّ نفسي لتقبله كأمرٍ واقع في حياتي لا مفرّ منه”.

لوالدته قصة درامية إذ فقدت والديها منذ بداية حياتها في مصر فاحتضنتها أسرة مسيحية صديقة لوالدها. وعندما قررت هذه العائلة الهجرة إلى أميركا، اصطحبت روز معها. وما إن رست الباخرة في ميناء الاسكندرية حتى طلب اسكندر فرح، وهو صاحب فرقة مسرحية، من الأسرة المهاجرة التنازل عن البنت اليتيمة ليتولاها ويربيها، فوافقت الأسرة وبدأت حياتها وانطلاقتها في الفن.

درس احسان عبد القدوس المولود في العام 1919 الذي تُصادف هذه السنة مئوية ولادته، في مدرسة خليل آغا بالقاهرة ومدرسة فؤاد الأول ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة وتخرّج عام 1942 لكنه فشل في أن يكون محامياً. تولى رئاسة تحرير مجلة “روز اليوسف” ولم يتجاوز الـ26 عاماً لكنه لم يستمر طويلاً إذ ترك رئاسة المجلة لأحمد بهاء الدين ليتولى رئاسة تحرير “أخبار اليوم” ثم ترأس مجلس إدارتها أيضاً.

عرّضته مقالاته السياسية للسجن والاعتقال، ومن أهم القضايا التي واجهها قضية الأسلحة الفاسدة في مصر مما ساهم في إسقاط النظام الملكي هناك. كما تعرّض لمحاولات اغتيال وسُجِن بعد الثورة مرتين في السجن الحربي وأصدرت مراكز القوى قراراً بإعدامه.

كتب احسان عبد القدوس أكثر من 600 رواية وقصة قدَّمت منها السينما المصرية 49 فيلما و5 مسرحيات و8 روايات تحولت مسلسلات إذاعية. صوّرت معظم رواياته فساد المجتمع المصري وانغماسه في الرذيلة والجنس. من هذه الروايات “النظارة السوداء” و”بائع الحب” وغيرها. ردّاً على آراء وصمته بأنه كاتب الجنس الأول في مصر، كتب: “لست الكاتب المصري الوحيد الذي كتب عن الجنس. هناك المازني والحكيم ولكن ثورة الناس عليهما جعلتهما يتراجعان ولكني لم أضعف مثلهما لإيماني بمسؤوليتي ككاتب. نجيب محفوظ يكتب عن الجنس ولكن بطريقة تجعل القارئ يحسّ كأنه يتفرّج على ناس من عالم آخر غير عالمه ولا يحسّ أن القصة تمسّه… أما أنا فقد كنت واضحاً وصريحاً وجريئاً وكتبت عن الجنس دون أن أسعى لمجاملة طبقة على حساب طبقة”. يذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر اعترض على روايته “البنات والصيف” وفيها وصف للجنس بين الرجال والنساء أثناء اجازات الصيف، فأرسل الكاتب رسالة إلى الرئيس يبيّن فيها “أن قصصه هي من وحي الواقع لا بل أن الواقع أقبح وهو يكتب أملاً في إيجاد الحلول لها”.

لعب احسان عبد القدوس دوراً بارزاً في صناعة السينما في مصر ليس برواياته التي تحولت إلى أفلام بل أيضاً بمشاركته في كتابة السيناريو والحوار لأفلام مثل “لا تطفئ الشمس” و”امبراطورية ميم” (قصة مكتوبة على أربع أوراق)، كما شارك مع سعد الدين وهبة ويوسف فرنسيس في كتابة سيناريو فيلم “أبي فوق الشجرة” لعبد الحليم حافظ. تربع عبد القدوس على عرش أكثر كاتب وروائي تحولت أعماله إلى أفلام، يليه نجيب محفوظ. عرفت رواياته التي صارت أفلاماً، تأثيراً مختلفاً نذكر منها “أنف وثلاث عيون” التي يُقال إنها مستوحاة من علاقة الحب التي جمعته مع الروائية اللبنانية حنان الشيخ، و”دمي ودموعي وابتسامتي” و”بعيداً عن الأرض” و”أرجوك اعطني هذا الدواء” و”أيام في الحلال”، وكذلك “لا انام” و”في بيتنا رجل” و”الوسادة الخالية” و”أنا حرّة”. يتوقف احسان عبد القدوس عند فاتن حمامة باعتبارها صوّرت خياله وخصوصاً في فيلم “لا انام” و”الطريق المسدود”. ويضيف إليها: نبيلة عبيد ونادية لطفي ولبنى عبد العزيز وسعاد حسني. وكثيراً ما كان ينوجد في الاستديو أثناء تصوير المشاهد. وعلى الرغم من دوره الكبير إلا أن أعماله اصطدمت بالرقابة فخاض معها المعارك وعرفت أفلامه الكثير من التعديلات التي فرضتها الرقابة مثل نهاية فيلم “البنات والصيف” ونهاية فيلم “لا انام”. ومحاولة تغيير عنوان فيلم “يا عزيزي كلنا لصوص”، إذ أوقف وزير الثقافة الفيلم سنتين قبل الافراج عنه. كما أن الرقابة رفضت فيلم “حتى لا يطير الدخان”، فكانت معركة طويلة قبل الإفراج عنه. إضافة إلى قصصه ورواياته، كانت له كتب في المقالات السياسية، مثل “على مقهى في الشارع السياسي” (1979) و”خواطر سياسية” (1979)، وكانت له مساهمات بارزة في المجلس الأعلى للصحافة والسينما، وقد منحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الاستحقاق، ومنحه الرئيس حسني مبارك وسام الجمهورية، ونال جائزة الدولة التقديرية في العام 1989. ونال الجائزة الأولى عن روايته “دمي ودموعي وابتسامتي” (1973) وجائزة أحسن قصة فيلم عن رواية “الرصاصة التي لا تزال في جيبي” المستمدّة من حرب تشرين.

كان احسان عبد القدوس يتردّد إلى بيروت وخصوصاً في الربيع، ويروي سمير صفير في كتابه “عالم من ورق” أن الأستاذ احسان كانت لديه قدرة خارقة على استدراج الأصدقاء للاعتراف بما لديهم من قصص. كل سهرة له في بيروت كانت تنتهي في بهو الفندق مع عدد محدّد من الذين يلتفت إليهم ثم يسأل: “قل لي بصراحة، أنت عندك حكاية”.

ما لبث احسان عبد القدوس يكتب القصة ويسأل عنها ويبحث عنها مبتعداً عن الشلل والأصدقاء. كان ينظر إلى العالم ويجده يتغير بسرعة فائقة، ولكن كان همّه أن يقول “كل شيء قبل أن ينتهي العمر” وهو أحد عناوين كتبه الأخيرة. أن يقول كل شيء في الحب والحرية، وظل يكتب حتى وافته المنية في 12 كانون الثاني 1990 وتوقف معها سطر الغزارة والغنى في الرواية العربية. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*