مئة عام على نفي القافلة الأولى من اللبنانيين في كانون الثاني 1915

في شهر كانون الثاني 2015، ذكرى مرور مئة عام على قيام قائد الجيش الرابع العثماني جمال باشا بنفي القافلة الأولى من اللبنانيين، بعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى في شهر تشرين الأول 1914 الى جانب المانيا والنمسا ضد فرنسا وبريطانيا وروسيا. شكّل دخول تركيا الحرب مناسبة لإعادة نظر هذه الدولة في مواقفها السابقة في الشرق الأدنى وخصوصاً مع لبنان الذي كانت تعاونت مع الدول العظمى في العام 1861 لإنشاء نظام المتصرفية فيه بميزاته الخاصة.

بالفعل، وبعد تعيين جمال باشا أحد قادة “تركيا الفتاة” قائداً للجيش الرابع في الشرق، ألغيت في 22 تشرين الثاني 1914 امتيازات جبل لبنان المقررة في نظام 1861 المعدّل في العام 1864، ودخل الجيش العثماني إليه، وسرعان ما نُظِّمت أول لائحة للبنانيين الذين اعتبرتهم الدولة العثمانية أعداء لها، من الواجب إبعادهم من لبنان.
وقد ترك لنا أوهانس باشا قيومجيان، وهو آخر متصرف على جبل لبنان، مذكرات قيمة صدرت في العام 2003(2) روى فيها اجتماعه العاصف مع جمال باشا في دمشق عندما عرض عليه هذا الأخير لائحة الأشخاص المقرر نفيهم، وقد حاول أوهانس باشا بذكائه وصدقيته ونزاهته، تقليل أهميتهم ودورهم، لتجنب تنفيذ هذا القرار بالنفي المتخذ، وقد روى هذه المقابلة الطويلة مع جمال باشا في دمشق قائلاً:
… بسط الباشا إحدى الأوراق الكثيرة المبعثرة فوق مكتبه وقرأها لي. كانت قائمة بالنفي تتضمن أسماء نحو أربعين شخصاً معظمهم موظفون، أصبحت إقامتهم في لبنان، على ما يبدو، مضرّة بالأمن وبمصالح الدولة العثمانية. قال لي: “جميع هؤلاء القوم هم عملاء أو أتباع دول الوفاق. وهم مدينون بمراكزهم لحماية القناصلة. لم أعد أحتمل حضورهم في الجبل. لذا أطالب بإرسالهم إلى دمشق في أقرب وقت، حيث سيبقون تحت رقابة الشرطة حتى إشعار أخر. أما الذين يمارسون وظيفة فيجب إقالتهم فوراً!”.
“رفض جمال باشا رغم إلحاحي، أن يكشف لي كيف تم إعداد هذه القائمة وفي اثر أية تبليغات.
“… حاولت… إفهام جمال بأن مثل هذا التدبير سيؤدي الى نتيجة عكسية تماماً للنتيجة المرجوة. وسيفقد بوجهته السخيفة الثقة بأعمال الحكومة التركية الأولى في لبنان، ولن يوحي بالاحترام الى أحد. كما أنه لن يفيد إلاّ في تشجيع الدسّاسين الكثر في البلاد، وأولئك المصطادين في الماء العكر أنفسهم، الذين كانوا في ما مضى يعيثون فساداً في غرف انتظار القناصلة ويتسللون الآن في أروقة القيادة العسكرية العليا. قلت له “اذا أردت إلقاء اللوم على جميع الذين كان لهم بعض الارتباط بالعملاء الأجانب في سوريا فسيتراكم عليك الشغل كثيراً عندها ينبغي ترحيل جميع اللبنانيين تقريباً فيما أنت لا تصيب الاّ عدداً قليلاً منهم وأكثرهم قابلية لالتماس العذر لهم، لم يستجد معروف القناصلة الاّ لتأمين مورد رزق زهيد لهم. لماذا إيلام بعض العائلات الفقيرة وتدميرها؟ لكي تُشعر اللبنانيين بوطأة سيطرتك؟ لكنك تراهم جميعاً متواضعين وخاضعين بين يديك. أما أن تأمل في أن يتمكن هؤلاء المرحّلون من القيام، في نظرك، مقام رهائن سياسية، فإنك واهم للغاية: لا أحد في لبنان سيهتم بمصيرهم”.
“غير أن جمال كان قد تصور أن يميز وصوله بضربة تُحدث أثراً في النفوس. فما كان الأمر، بالنسبة اليه، يقوم على إعلاء شأن الدولة العثانية فحسب، بل على إيقاف اللبنانيين عند حدّهم بينما يتوجه هو الى القتال في مصر. وكان الشعور الجيّاش في نفس هذا القائد من الشبّان الأتراك ضد الجبليين اللبنانيين الأحرار من بقايا التعصب وكره الأجانب المكبوت منذ زمن بعيد. كانت ضغائن قديمة وعميقة قد جاء لشفاء غليله منها.
“كان نقاشنا حاداً، وبدا في وقت ما أن اعتراضاتي انفدت صبره. فلامني بنزق على ما اعتبره إفراطاً في الحساسية من جانبي. فصاح قائلاً: “أتنسى إذاً إننا في الحرب!”. عندئذ أعلنت له أنني لست راغباً في البقاء زمناً أطول في لبنان، حيث بات وجودي في هذه الظروف عقبة بالأحرى في وجه حكومة السلطنة فقلت له: “أنا أنتمي الى السلك الديبلوماسي، ومهمتي في هذه البلاد لم يعد لها مبرر. وقد يفي موظف من وزارة الداخلية بالغرض بصورة افضل. هذا وسبق أن قدمتُ إستقالتي الى الباب العالي بلا جدوى، وهنا أكرر عليك بالذات مع استعدادي لتوقيعها بالشكل الذي تودّ أن تمليه عليَّ”. حينئذ هدأت ثائرته وأعلن أنه لا يقبل استقالتي، ووافق أخيراً على تقليص قائمة المحكوم عليهم، شاطباً أسماء الأكثر عوزاً. أما الآخرون فكان ينبغي إرسالهم إلى دمشق ما إن يتقدم اليَّ بطلب رسمي” (3).
في 31 كانون الأول 1914، تم استدعاء ست عشرة شخصية لبنانية الى سرايا بعبدا وهم الذين شكلوا القافلة الأولى التي نقم عليها جمال باشا وأراد أن يجعل منها مثالاً للآخرين في تعاطيه مع اللبنانيين الذين رأت الدولة العثمانية أن شبهات تحوم حول إخلاصهم لها. علماً أن قسماً كبيراً من هؤلاء المنفيين سيلعب أدواراً سياسية واجتماعية بارزة في بداية عهد لبنان الحديث، كما يستدل من مراجعة أسمائهم وهم: – يوسف فريفر مدير ناحية جونية وهو جدي لوالدتي(4) – نعوم باخوس(5) عضو مجلس إدارة جبل لبنان – نقولا غصن عضو مجلس إدارة جبل لبنان – الشيخ بان الخازن مدير ناحية جبيل – ابرهيم عقل حاكم صلح قضاء البترون – كميل الشدياق أمين سر القلم الأجنبي في متصرفية جبل لبنان – الدكتور أنطوان العضم – محمد عز الدين رئيس محكمة الشوف – رشيد نخلة مدير العرقوب وواضع النشيد الوطني في ما بعد – مصطفى العماد رئيس دائرة الجزاء في متصرفية جبل لبنان – الأمير فايق شهاب قائمقام البترون – خليل عقل(6) عضو مجلس إدارة جبل لبنان – الياس كسبار رئيس محكمة البترون وهو والد المحامي والوزير ادمون كسبار – حبيب البيطار قائمقام كسروان – الأمير فريد شهاب مدير الساحل – بولس نجيم رئيس القلم الأجنبي في متصرفية جبل لبنان وهو مؤلف كتاب “قضية لبنان” الصادر عام 1908 في باريس تحت اسم جوبلان المستعار.
فور التئام شمل هؤلاء اللبنانيين في بعبدا صرّح محمد رضا بك قائد المفرزة العسكرية في جبل لبنان في حضور المتصرف أوهانس باشا وضباط عثمانيين، بأن الإخلاص للدولة هو من الواجبات الملقاة على اللبنانيين وبأن الامتيازات التي يستفيدون منها ليست سوى منحة من السلطان وقد تقرر إلغاؤها. المهم في الأمر أنه فور انفضاض الاجتماع تمّ ابلاغ الست عشرة شخصية بوجوب انتقالهم في اليوم التالي إلى دمشق للقاء جمال باشا.
وقد تكلم أنطوان يمين في مؤلفه “لبنان في الحرب”(7) عن هذا الاجتماع كما روى أميل يوسف حبشي في كتابه “جهاد لبنان واستشهاده”(8) ما عرفه عن هذا الاجتماع.
وفي اليوم التالي انتقل الأشخاص المشار اليهم بالسكة الحديد من بعبدا إلى محطة رياق حيث طلب منهم جمال باشا فور الوصول إلى دمشق الحضور إلى مقر إقامته في فندق فكتوريا على المرجة وخلاصة ما قال لهم “أعرف أنكم تتساءلون عن السبب في دعوتكم إلى دمشق، ولكنني، فوق ذلك، ان وجودكم فيها اليوم، بعيدين من لبنان، هو آمن لكم بكثير”.
ولما كان الأديب الشاعر رشيد نخلة قد أرّخ لتلك الحقبة، رأينا الاستعانة بما كتبه وخصوصاً أن كتاباته تؤكد ما كان يرويه عليَّ جدي من أخبار عن نفيه إلى القدس. يقول رشيد نخلة(9) “خرجنا من مجالس الباشا، ينظر واحدنا إلى الآخر، وكأننا أدركنا، لساعتنا، أن ظلام الحوادث قد أخذ ينزل علينا وعلى بني قومنا في سرعة مخيفة”.
بقي هؤلاء الأشخاص في دمشق لمدة شهر وذلك تحت المراقبة من دون أن يتمكن أحد من إعطاء أخبار عنه إلى أهله في لبنان. بعد انصرام الشهر أمر جمال باشا بنفيهم إلى القدس(10). وكان النفي أرحم مما سيؤول إليه مصير الدفعات الأخرى من اللبنانيين الذي استدعاهم جمال باشا.
أما كيف انتقلوا إلى القدس، فإن شهادة رشيد نخلة عن هذه الرحلة هي خير دليل لها، وقد روى في مذكراته (11) تفاصيلها وخصوصاً أنها حصلت في شهر شباط الممطر والقاسي.
تجدر الإشارة هنا الى ما قاله رشيد نخلة من تبرير(12) اختيار القدس كمنفى لهؤلاء اللبنانيين:
“وقد كانت بيروت، حتى أمس، حتى عام 1919 دار غربة لنا! يهبطها واحدنا، فلا يجد فيها عادات بني قومه، وتقاليدهم في معظم الأطوار والمعايشات، فيحس الغربة والبعد عن الجبل!
“إذاً، فإن القدس كانت جديرة في العام 1914 أن تغدو منفى للبنانيين، يجدون فيها الوحشة ويبيتون على الشوق إلى لبنان. فلم يكن على جمال باشا أن ينتقي لنا منفىً في جبال نجد، مثلاً، أو في تهائم اليمن، بدلاً من القدس – إذ ان المهم عنده، هو أن نموت من الشوق إلى أرض الوطن!”
وعند وصول الموكب بالمنفيين إلى القدس طافت بهم العربات من فندق إلى آخر وكان الليل قد هبط والمطر لا يزال يتساقط، ويقول رشيد نخلة(13):
“… إن المهتمين بأمرنا، في دائرة الشرطة، لم يجدوا لنا في ذلك الفندق مواضع للمبيت، وان علينا ان ندور في ما يلي “باب الخليل” من الشوارع، لعلّنا نستطيع أن نلقي الرّحال في واحد من تلك الفنادق. فعادت بنا العربات على أعقابها، تهوي وترتقي في شوارع ضيّقة، وأزقة متعوجة. وبينما نحن في بعض العطفات إذا جماهير من الناس، وإذا جلبة وأهازيج، وتصفيق بالأيدي، من أول الشارع إلى آخره، فأطللنا من العربات نتسقّط الخبر، فعلمنا أن القوم في تظاهرة كبيرة، فرحاً بفتح لبنان على يد جمال باشا، وبسوق الأسرى منه، وبوصولهم إلى القدس في تلك الساعة، مغلوبين صاغرين بعد الفتكة الحامية والمعمعة العوان… فلم أتمالك نفسي من الضحك، وعلى الخصوص حين توسطت بنا العربات الجماهير، ورأيت سربة من الفتيان في هوس، ونزق وطرب شديد يرقصون ويتغنّون بقولهم: “العثملي بعون الله فتح لبنان”. فأدركنا أنه يراد بنا، حينئذٍ، التطويف في الشوارع، توكيداً لنبأ الفتح، لا تفتيشاً عن فنادق للمبيت… ورأينا أن جمال باشا كان قد زوّر لنا أسباب المجد ودواعي الفخر، على أتمّ ما يكون التزوير!!
“فلما أفضى بنا التطويف إلى “فندق مرقس” على “باب الخليل” أي اننا قد عدنا من حيث ذهبنا، لقينا كل شيء قد هيئ لنا فيه، من قبل، فرحنا نترامى على المقاعد من شدة الإعياء. وكانت الجماهير لا تبرح محيطة بالفندق، والأهازيج، والأصوات، تدخل علينا من النوافذ”.
هكذا انتهت المرحلة الأولى من نفي القافلة الأولى من اللبنانيين في العام 1915. وكان لا بد في الذكرى المئوية الأولى من هذه الحادثة إحياء صفحة منسية من تاريخنا الوطني ضناً لها من النسيان واجلالاً لجهاد الأجداد وتضحياتهم.

-1 محام وأستاذ جامعي – رئيس مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمحفوظات الوطنية سابقاً.
2- Ohannés Pacha Kouyoumdjian: Le Liban à la veille et au début de la guerre. Mémoires d’un gouverneur 1913- 1915
Centre d’Histoire Arménienne contemporaine – وقد نقل هذا الكتاب الى اللغة العربية وصدر تحت عنوان” مذكرات اوهانس باشا قيومجيان متصرف جبل لبنان 1913-1915″ ترجمة جوزف كالوستيان دار البيروني 2015.
-3 أوهانس باشا: المرجع المذكور ص. 213-215.
-4 هيام ملاّط: يوسف مخايل فريفر 1884 – 1964 بيروت 2008.
-5 يراجع عن نعوم باخس مقال المؤرخ منير وهيبه الخازن في مجلة كسروان – السنة الثانية – العدد 40- 15 نيسان 1982 – ص. 27.
-6 يراجع كتاب الدكتور جان شرف الصادر تحت عنوان آل عقل شديد في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر، ص. 175 – بيروت – 2001. كما يراجع في الموضوع نفسه مؤلف يوسف الحكيم: بيروت ولبنان في عهد آل عثمان – ص. 160 وصاعداً – المطبعة الكاثوليكية – 1964.
-7 أنطوان يمين: لبنان في الحرب – الجزء الأول – ص. 19-20 – بيروت – 1919.
-8 أميل يوسف حبشي: جهاد لبنان واستشهاده – ص. 26-29 – مطبعة طبارة – 1920.
-9 رشيد نخله: كتاب المنفى – ص. 158 – طبعة عام 1956.
-10 يراجع ايضاً في الموضوع نفسه: ذكريات فرنسوا خوري- ص. 40 وصاعداً – 1954.
-11 رشيد نخلة: كتاب المنفى – ص. 167 – 168.
-12 رشيد نخلة: كتاب المنفى – ص. 176.
-13 رشيد نخلة: كتاب المنفى – ص. 180 – 181.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*