الرئيسية / منوعات / مؤامرة الشبقات على الفحول

مؤامرة الشبقات على الفحول

 

روجيه عوطة|الأربعاء12/07/2017

Almodon.com

  • القضية المقدسة للمجلة هي بلوغ النشوة النشوة، ما يتطلب باستمرار اجتماع الفظاظة والرقة
من نهاية ستينات القرن المنصرم، حتى بداية الثمانينات تقريباً، صدرت في بيروت مجلة “الجنس”، التي رأس تحريرها يوسف جادو، وأدارها رضى الجلبي. طوال هذه الفترة، بدّلت المجلة شعارها التعريفي مرتين، فكانت “أحدث دليل علمي للثقافة الجنسية والزواج”، وغدت “مجلة الثقافة والمتعة الجنسية”. إلا أن تغييرها لشعارها هذا لم يحملها على تغيير منشورها، لا لغته ولا همّه ولا أسلوبه، لا سيما أنها، وحتى لو تنازلت عن العلم وقلبته إلى إعلام، لم تتراجع عن كون نشرها يجري “تحت إشراف نخبة من الأطباء وعلماء النفس الإختصاصيين”.
الإطلاع على هذه المجلة، سرعان ما يجعل القارئ مدركاً أنها تتوجه إلى جمهور معين، تسميه من مقالة إلى أخرى، وتتحدث معه مباشرةً: “المتحررون الجنسيون” في حقبة “إضمحلال الموانع”. فتأخذ المجلة على عاتقها مد هؤلاء بمعرفة تتعلق بممارسة الجنس، وهي تفعل ذلك بطريقتين. أولاً، عبر التفاعل معهم، من خلال ما تحدده بـ”عيادة القراء”، التي تستقبل فيها استفهامات متابعيها، وثانياً، عبر طرح مشكلة العدد، وجمع المقالات حولها.ومع أن هاتين الطريقتين متجاورتان، غير أنهما مختلفتا الأثر، بحيث أن “العيادة” وصفحاتها هي الوحيدة التي توفر للمجلة طابعاً محلياً، لأن الداخلين إليها يتوزعون على مناطق البلاد. أما الصفحات اللاحقة على “العيادة”، فتحتوي مقالات وآراء وتحقيقات حول قضايا جنسية، تدور في الولايات المتحدة الأميركية حصراً، أي أنها، في الأساس، مكتوبة باللغة الإنكليزية، قبل تعريبها أو توليفها، من دون الإشارة، وفي الكثير من الأحيان، إلى كتّابها.

بالتالي، وبالتنقل بين باب “العيادة” والباب الأخير، وقد تعنون لفترة طويلة بـ”الجنس حول العالم”، من الممكن الإنتباه إلى أن المتفاعلين مع القراء من أسرة المجلة يستندون إلى مدونة “التحرر الجنسي” لكي يجيبوا على إستفهامات “المتحررين” أو الطامحين إلى “التحرر”، وهذه المدونة تكشف، وبشكل واضح، عن منطقها في الإجابات. بعبارة أخرى، “العيادة”، بما هي بريد محلي، تميط اللثام عن المنطق الذي يحكم مدونة “التحرر الجنسي” التي تقدم “الجنس” على تعريبها وتوليفها والتبشير بها.

طبعاً، قراءة الآتي في “العيادة” يثير الضحك، لا سيما حين يقترح “الطبيب المختص” على المستفهم منه عن مشكلة ما أن يذهب إلى طبيب. لكن، ومن إستفهام إلى إجابة، تواصل “العيادة” التأكيد في كلامها على تمييزها الإقصائي بين الرجال والنساء، إذ تجد أن توزيعهم المثالي هو بين “فحول” و”شبقات”، مع وقوفها “المعرفي” إلى جانب طرف ضد غيره. فلما نقرأ استفهام “م.ب” الذي يريد “قطع القضيب” و”زرع مهبل اصطناعي مكانه”، يجيبه “الدكتور بهيج شهاب الدين” بـ”نصيحتي لك بأن تقوي إرادتك بالابتعاد عن هذه الميول الجنسية”. أما حين نقرأ استفهام “المعذبة هـ.د” التي تبحث عن طريقة لتحولها الى رجل، فيجيبها الدكتور اياه بـ”ان حالتك هذه قد أثيرت وعولجت عن طريق هذه المجلة عدة مرات. ونحن اليوم نمد لك يداً كريمة. فما عليك إلا الإتصال بإدارة المجلة لترشدك إلى الطبيب المستقيم لتتخلصي من عذابك الدائم، وتتحولي إلى رجل”. اذاً، المجلة تحبذ التحول من امرأة الى رجل، وليس العكس، وهذا ما لا ينفصل البتة عن كونها موجهة الى الرجال، مثلما تتصورهم كفحول، كفحول لا صور لهم على صفحاتها، التي تزدحم، من الغلاف الى الغلاف، بصور العاريات بأجسادهن الناتئة.

تكاد “الجنس”، وبسبب منطقها الذكري، أن تكون بورنوغرافية. لكنها، وتحت وطأة “المعرفة”، تقدم للـ”المتحررين” مادتها التي تعلمهم عبرها، وبشكل دائم، كيف يبلغون النشوة، الانتعاظ تحديداً، بأفضل الأدوات والوضعيات والمسالك، اذ إنها القضية الرئيسيّة، القضية المقدسة، في كل الأعداد. في طريقها الى تعليم النشوة، كغرض بعيد المنال، ويتطلب، وباستمرار، اجتماع الفظاظة والرقة، تعالج المجلة “زواج اللواطيين”، الذي تلمح الى كونه بدعة يهودية، و”الخيانة الزوجية”، التي تحمل النساء مسؤوليتها، و”الاغتصاب بالرضى المتبادل”، و”المعاقبة الجنسية”، و”تبادل الزوجات عن طريق الإعلانات”. كل هذا تعالجه المجلة قبل أن تخلص إلى موالها نفسه، الذي يفيد بمؤامرة الشبقات على الفحول، وتصدي هؤلاء لهن بممارسة الجنس معهن أكثر: “على كل رجل قبل كل شيء ألا يعتقد بأن المرأة تعرف عن الجنس أكثر منه، وبذلك ستتحكم في نشاطه، فكثيراً ما يكون العكس هو الصحيح”.

يعين تصفح مجلة “الجنس” على ملاحظة مضمون “التحرر الجنسي”، بحسب ما فهمته وقدمته في القرن الماضي، مثلما يعين على ملاحظة كيفية صناعة فاعليه وفاعلاته، بحيث أنه “تحرر” مدموغ بمعادلة بينهم: “فأكثر بنات حواء يحلو لهن إستعراض مفاتنهن ومحاسنهن بما يشبه العري لاستفزاز غزائز الرجال من حولهن”، أما الرجال، أو “أبناء آدم”، فعليهم أن يسيطروا عليهن، وإلا سيكونون مزيفين، لأن “المرأة تحب الرجل العدواني”.

اضف رد