الرئيسية / أخبار الاقتصاد / مأساة لبنان في قيادته

مأساة لبنان في قيادته

نهاية الاسبوع المنصرم شهدت مآسي الاستماع الى رئيس وزراء لبنان، خلال زيارته للبطريرك الراعي، يقول إن استبداله غير ممكن وإنه باق في الحكم سنتين أو ثلاث سنوات.

بالتأكيد هذا الادعاء في غير محله. فالاستاذ دياب كما وصفته افادة من الجامعة الاميركية لم يكن مجليًا، وهو حتى تاريخه في الحكم منذ خمسة أشهر وتزيد لم يتمكن من ان يقدم برهاناً للبنانيين على انه قادر على الاسهام في استعادة النمو. وكيف يكون ذلك وهو يصرح في الصرح البطريركي بأن قضية الكهرباء التي يكثر الحديث عنها لا تستحق كل الانتقاد. وبالفعل هي في سبيل الحل ومستوردات اللقيم ستتوافر خلال أيام، وفترة انقطاع التيار ستتحسن ساعتين… ما شاء الله… الانقطاع الى ساعات، وتأخير المستوردات عائد الى تلاعب في مواصفات اللقيم سواء في عهد الوزيرة بستاني أو الوزير الحالي الذي يفوق رئيس الوزراء في تمويه الانجازات. مشكلة الكهرباء عرضت لبنان للإفلاس دون أي تقرير محاسبي من مصلحة كهرباء لبنان عن السنين العشر المنصرمة والتي ألقت بعبء على الأموال العامة بلغ 43.9 مليار دولار عدا الفوائد، وجميع الهيئات الدولية الرسمية وأخصها صندوق النقد الدولي. والبنك الاوروبي للإنماء، تعتبر اصلاح الكهرباء القضية المحورية وابتداء حلها يكون بتشكيل هيئة اشراف مستقلة من فنيين معتبرين واخضاع الوزير لتوجهاتهم، كما انجاز التقارير المحاسبية دوريًا.

يقول الوزير انه غير مطمئن الى قدرة الشركات الصينية على تأمين التمويل اللازم لانجاز معمل أو معملين لانتاج الكهرباء، وإن الشركات الاربع التي تشمل سيمنز والستوم وجنرال الكتريك قادرة على تامين التمويل. والوزير الكريم لا يدرك ان شركة سيمنز لن تستطيع تامين تمويل لأن تصريحات زميلة الوزير، وزيرة العدل، بان حكومة دياب أنجزت انجازًا كبيرًا بتجميد دفع مستحقات اليوروبوندز، وهي غير العارفة بالشأن الاقتصادي والعلم الاقتصادي، لا تدرك، كما الوزير لا يدرك، ان هذا التصريح على تلفزيون “الجديد” يحول دون توافر ضمانات لاقراض مشاريع كمعامل الكهرباء للشركات الالمانية والفرنسية والايطالية، وشركة جنرال الكتريك منذ زمن انسحبت من سوق لبنان.

حضرة الوزير الخبير منذ عام 2007، ألا تعلم ان الشركات الصينية الكبرى على وجه العموم تحوز دعم السلطة المركزية، ثم ألا يعلم ان احتياط الصين من الدولارات يفوق الـ1600 مليار دولار، وهذا أكبر احتياط متوافر لأي بلد في العالم، ولو اقدم الصينيون على انجاز معمل لانتاج الكهرباء أو معملين ووجب تأمين ملياري دولار، ستتوافر الاموال من بنك الصين الدولي الذي هو أكبر بنك في العالم، وعندئذٍ كان هذا البنك سيفتح أبوابه في لبنان، ويؤمن بعد ذلك للبنوك اللبنانية قبول ضمانات اعتماداتها لاستيراد البضائع الحيوية. التعاون مع الصين كهربائيًا يمهد لتخفيف ازمة المصارف بتمكين المصارف اللبنانية من فتح اعتمادات يعززها بنك الصين الوطني.

حضرة الوزير، لا يجوز ان تمارس مهماتك وانت لا تعرف أبسط الامور التقنية المتطورة في العالم وانت لا تدرك ان الصين أصبحت منذ سنوات أكبر دولة مصدرة في العالم، وان دخل الفرد في الصين مقوماً بالقيمة الشرائية بات يفوق دخل الاميركي. كيف لك ان تعلم وزملاؤك في الحزب العظيم يعتبرون انهم يعرفون كل أسرار الاقتصاد والعلم في العالم؟

اضافة الى رئيس الوزراء ووزير الطاقة، هنالك وزراء يطالبون بإصلاحات لا يساهمون في اطلاقها. فوزير الصناعة مثلاً يعتبر ان الحكم مغيب عن دعم الصناعة، علمًا بان نظرة الحكم الى الانجاز الاقتصادي ترتكز على تسمية الاقتصاد المنتج باقتصاد الزراعة والصناعة، وهذه النظرة بدائية وغير مجدية، وبما أن وزير الصناعة من الفريق الداعم لتوجهات رئيس الجمهورية مهما كانت صائبة أو خاطئة، فهو يريد دعم الصناعة من غير ان يصوت لاصلاح الكهرباء. وقد شاهدنا وسمعنا الكثير في المدة الاخيرة عن الاصلاح وتعقب الوزراء المستفيدين من المشاريع والانفاق العام ورئيس الجمهورية يعلق الكثير من الآمال على ما تكشفه مؤسسة Kroll للاستقصاء وهي المؤسسة التي كشفت مثلاً ان رئيس الفيليبين قبل 25 سنة كان قد اكتنز 25 مليون دولار في سويسرا لا تزال الفيليبين تطالب بها حتى تاريخه. وقد استبعدت مؤسسة Kroll وتم التعاقد مع مؤسسة غير متخصّصة في الشأن المطلوب، ورئيسها كان رئيس أكبر شركة محاسبة ومشورة في أميركا أقفلت لأنها كانت تنشر ميزانيات غير صحيحة لشركة Enron التي أفلست كما شركة الرئيس المذكور مستشار الحكم اللبناني.

نريد ان يحقق الرئيس أمنيته كشف وسائل الاستفادة غير المستحقة، وهو سيواجه عقوبات وعقبات لهذا التوجه، فهل هو على سبيل المثال سيقبل بالاستفسارات المكثفة عن اسباب تملك المقربين منه شققاً نادرة في لندن وسيارات فاخرة في لبنان ثمنها مئات الآلاف من الدولارات، وهل فعلاً دفع ما يستحق عن هذه السيارات من رسوم جمركية… بالتأكيد دفع الرسوم الجمركية على المستوى المطلوب أي 700 ألف دولار لإحدى السيارات لم يحصل ولن يحصل لأن الدفع الزهيد قد أنجز.

لا تكفي أخطاء رئيس الوزراء ووزير الطاقة. فهنالك أخطاء وزير الاقتصاد الاستاذ راوول نعمه. فهذا الوزير يبشر بأن لبنان يقرب من حالة الافلاس لان الممارسات السابقة لم تحافظ على أسس الاستمرار في النمو، وهو يلقي على مصرف لبنان مهمة دعم سلال للغذاء مستوردة يبلغ عددها 300 سلة، وكأنه لا يعلم ان الدعم سيؤدي الى تحصيل كبار التجار منافع تتمثل بتقديرهم تكاليف تحقيق كل الشروط التي يطلبها وزير الاقتصاد.

راوول نعمه تولى مدة سنة ونصف سنة الرئاسة التنفيذية في “بنك البحر المتوسط”، وقد اصبح من الواضح ان ارثه التنظيمي كاد ان يودي بالمصرف الى حافة التفكك، ولن نستغرب ان يحال وزير الاقتصاد على التحقيق لاخفاقه في ضبط شؤون المصرف.

رئيس حكومة ووزيران يغرقون في الاعلان عن كفاءاتهم وقدراتهم، والواقع ان تقويم ادارة الجامعة الاميركية لكفاءة رئيس الوزراء كافية وتنذر باضرار واسعة وكذلك الامر بالنسبة إلى وزير الصناعة ومعارفه العلمية حول دور الكهرباء في التصنيع والتعليم، ناهيك بتوصيات وزير الاقتصاد الذي ينتظر قرار ملاحقته قضائيًا.

ان العهد بعد أقل من شهرين يكون قد انقضى على وجوده أربع سنوات أي ثلثي الفترة الرئاسية، ومن المخزي ان هذه المدة انتهت ولم نشهد اي تطور ايجابي على صعيد الحكم والادارة العامة، وربما قبل نهاية أيلول المقبل سنشهد تفجر الوضع المصرفي ونحذر من توجه الدولة نحو مصادرة ودائع اللبنانيين دون وجه حق. والواقع ان كل لبناني مهني ومنزه عن الرشى قد يخسر ما عمل على تأمينه لبقية سني عمره، فكيف لعهد لم يحقق شيئًا ان يأخذ من ادخارات من حققوا هذه الإدخارات نتيجة خبراتهم وجهودهم لكفاية حاجاتهم في آخرتهم.

هل قيض للبنان ان يحكمه فريق لا يهتم برفاه المواطنين وعلمهم وصحّتهم، واذا كان الامر كذلك فلماذا علينا التصفيق علنًا لمنجزات الحكم التي لم نشهد منها شيئًا؟

النفايات تسد بعض منافذ السير ولبنانيون عديدون يتجنبون تنشق الهواء الطلق لما يحتويه من ترسبات مسرطنة، ولبنان الذي يشهد سنويًا تساقط 10 مليارات متر مكعب من المياه الحلوة ليس لاهله ما يشربونه من المياه النظيفة. وهذا اللبنان يعاني تدني مستويات العلم والانجاز وضيق الصدر بالانتقادات المفيدة. لبنان القرن الـ21 أصبح متأخراً اجيالاً عن لبنان الستينات حينما كانت الانجازات تتمثل بفتح طرقات سريعة وانجاز خطوط لنقل النفط الى طرابلس والزهراني والاستعداد لانجاز مشاريع كهربائية تكفي الحاجة، ولبنان عام 2000 كان له كهرباء 24/24 ساعة واليوم معظم مناطق لبنان بعد انقضاء 20 سنة على الاكتفاء الذاتي بات يعتمد على المولدات الخاصة بنسبة تفوق الاعتماد على معامل الانتاج. هذا لبنان الذي يدعونا رئيسه الى التشبث به.