الرئيسية / home slide / ليلتي عند إلسا

ليلتي عند إلسا

18-11-2020 | 00:15 المصدر: النهار

سمير عطالله

ليلتي عند إلسا

“عيناكِ تغبطهما السماء الزرقاء المغتسلة بعد المطر”.لوي اراغون وقعت لي ضائقة وأنا في جنوب

فرنسا، فذهبت الى قسم الطوارىء في أقرب مستشفى. وكان القسم مزدحماً، فأحالني ممرضو الاستقبال إلى عيادة طبية ملاصقة للمستشفى. وانتابني ضيق إضافي عندما قرأت على باب العيادة “جناح المتقدمين في السن”. ولم يبقَ لي إلا أن آمل في ألّا تكون الطبيبة هي ايضاً من المتقدمات. كان لي ما تمنيت وأكثر. سيدة دون الأربعين، أو تعدَّت الثلاثين قليلاً. ففي مثل هذه الحالات الفائقة، يسقط عِلم الفراسة، ولا يعود للفارق الهزيل معنى أو أهمية. وألغت جميع فوارق الأرض، عينا الطبيبة الزرقاوان، والتي سوف نطلق عليها اسم “إلسا” وفاءً لشاعرها اراغون. وفيما أنا عائم في بحر العيون، كانت الدكتورة إلسا قد أوثقتني بآخر مخترعات القياس الحديثة، بعضها يضيء، وبعضها يصفّر، وبعضها يبعثُ صمته الخوف في المفاصل. ولم تكتفِ الدكتورة السا، على ما يبدو، بدقة قياس النبض، فوضعت بيد “الستيتوسكوب” على صدري، ولفّت بالأخرى معصمي، فكان ان نطقت الآلات الصامتة، وتلألأت أضواء العيادة، وأضافت السا الى سحر العيون والجفون، سحر الابتسامة التي تعيد المتقدمين في السن الى اطفال مهابيل يعشقون قصص “الجميلة النائمة”. لكن ها هي الآن تملأ المكان حيوية وابتسامات. ثم تضع يدها حول معصمي من جديد. وكانت هذه المرة اليد اليمنى. أي يدها اليمنى. بعد حوالى نصف ساعة من القياسات الآلية والحسيّة، وقصيدة منصور الرحباني “نسيتُ من يده ان استرد يدي / طال السلام وطالت رفةُ الهدُب”، جلست السا على حافة السرير الجلدي، ووضعت يدها على كتفي قائلة: اطمئن. كنت في الواقع قد اطمأننت قبل ذلك، لكنني اطمع في الطمأنينة الأجمل. ورحت أصغي. ومنصور يردد ساخراً من النافذة “دنا، فعانقني شوق الى الهرب”. قالت إلسا: “لقد افزعتنا يا رجل. كان ضغطك عندما وصلت 22 على 10، كيف استطعت ان تمشي الى هنا. لكنه الآن، والحمد لله، 17 على 7”.  قلت لها، هذان رقما الحظ أيام ضربني الهبل في لندن. هل من كازينو قريب من هنا؟ سألتني السا إن كنتُ قد ربحت على الرقمين. قلت لها، إنهما كانا يأتيان دائماً، ولكن على الطاولة المجاورة، أو التي أبعد منها. سألتُ الدكتورة السا إن كانت ستطلق سراحي الآن، فقالت “سوف نأسرك الليلة معنا، وغداً تخرج”. فقلت فرحاً، “هل في الامكان جعله مؤبداً؟”. احمرّت السا ضاحكة. ثم قالت: “سوف يقرر ذلك الطبيب المناوب هذا المساء. وسوف يسرّك ان تتعرف إليه. إنه زوجي”. وصفَّرت جميع الآلات من جديد. في اليوم التالي جاءت السا لاطلاق سراح أسير المحبسين، هي والضغط. وقد أطلّ قبلها شعاع عينيها. وقبل ان تبدأ في وضع تقرير الإخراج، قلت لها، أحب ان اروي لك حكاية من تراثنا. فقد اشتهرت في التاريخ امرأة لها عينان زرقاوان وكان يقال إنها تستطيع رؤية الاشياء من مسافات طويلة، ولذلك، عُرفت بـ”زرقاء اليمامة”. وصارت مثلاً يقول “أبصرُ من زرقاء اليمامة”. أُعجِبت الدكتورة السا بالحكاية، لكنها عادت الى العمل بسرعة. ومرة اخرى كررت الاسئلة: الاسم، العمر، المهنة، مكان الآقامة. وبعدما أجبتُ غابت الابتسامة فجأة. وقالت: “في ما عدا الاسم، نحن أمام ثلاث مشاكل: فالمهنة والاقامة في لبنان وفي مثل هذا العمر، مشكلة. هل في الامكان التخلي عن المهنة أو تغيير الإقامة؟”. ليس بهذه السهولة، قلت لطبيبة المتقدمين في السن. أنا مدمن على لبنان، برغم كل شكاويّ منه، ومدمن على الصحافة برغم كل عتبي عليها. قالت السا: “هذا مزيج خطر من الادمان. نحن أبقيناك تحت المراقبة امس لكي نرى كيف سيكون الأمر من دون سماع نشرة الأخبار، أو ملاحقتها على “الايباد”، أو أن ترى الذين تراهم كل يوم”. وربتت على كتفي وهي تضيف: “واليك ما حدث نتيجة ذلك: الضغط مثل ضغط الاطفال، والنبض مثل نبض الابطال، والعلاج واضح: إذا كان لا بد من نشرة اخبار، عليك بالتلفزيون السويسري. واستبدل البرامج السياسية بالافلام الهندية”. قاطعتُ السا قائلاً: “لكنني أكتب في السياسة، فكيف أتابعها؟”. قالت السا وهي تضع يديها في جيبَي معطفها الطبي الابيض: “اكتفِ بقراءة الصحف القديمة لأن ردة فعلك ستكون أقل توتراً. وفي أي حال الاخبار نفسها. وأنواع العلكة نفسها. والفلك نفسه”. لاحظتُ ان السا بدأت تتضايق ويرتفع صوتها وابتسامتها تتضاءل، فشعرت بذنب مرير ان المسألة حوّلتها من طبيبة الى مريضة. وقلت لها محاولاً التخفيف عنها، “اي فلك؟ عن اي فلك تتحدثين”. لم تبتسم، بل أكملت في غضب: “عن فلك نوح. سيّدنا نوح. لقد أصر على ان يحشر في فلكه كل من عليها. ومن كل مئة زوج. تخيّل لو أنه كان أكثر رويّة، وأنه وضع على مدخل السفينة مدققين جنائيين من عند الفاراز او الفاريز، وخبراء ماليين من عند اليعازر. يدققون في هويّات الركاب، ويحددون عدد الببغاوات وطائر الوقواق، ويتركون للطوفان القوارض والحيتان والوطاويط التي تفرز على العالم جراثيم كورونا”. حاولت ان اهدىء من روع السا، فما ذنب هذه الفرنسية الجميلة في أعالي سان بول دو فانس. اقحمها في عالم البشاعات الذي انا قادم منه. ولم تخفِ السا وهي في فورة الحزن والغضب انها تتابع أخبار لبنان منذ 4 آب، وانها فقدت صديقة عزيزة في انفجار المرفأ. وساد العيادة قتوم وجوّ فيه شيء من غبار لبنان. وازددتُ شعوراً بالذنب. ها هي هذه المخلوقة المولودة تحت برج الفرح تكتئب. ولم يعد ممكناً لي الاستمرار في رش التلميحات التي، مثل المبادرة الفرنسية، لا تؤدي الى شيء. قالت السا: دعني اقل لك. الذي يرفع الضغط الى 22 على 10 ليس الذين تراهم كل يوم مرفلين بالذهب المسروق والامل المسروق والحقوق المسروقة. الذي يرفع الضغط، عاليه وواطيه، هم الذين لا تراهم على التلفزيون. هم الفقراء والبؤساء والمسحوقون بفجاجة السلطة وغطرستها، أما الذين تراهم فلا شيء. اخطاء تاريخية يصححها التاريخ نفسه.اسماء عابرة لا يزينها شيء ولا عمل ولا موهبة ولا جدارة. مجرد لجاجة لها نهاية ولو أن ضررها دائم وذكرها علقم ولا شيء آخر. قالت السا: سوف يبقى شارل ديغول شارل ديغول إلى الأبد. وسوف يبقى نيكولا ساركوزي جندباً ينط هنا وهناك، يقبل المال حتى من معمر القذافي فيما هو جالس على كرسي بونابرت. شعرت بالحزن وانا استعد للمغادرة. كنت قد حسبت ان الوقت الأخيرمع السا سوف يكون ليّناً بعينيها وضحكتها وقياس النبض المتسارع، بضغط الاصابع الشابة، على معصم المتقدم في السن. لكن صور الأسى والخراب ومرفأ بيروت المبقور تلاحقك إلى كل مكان. سألتني السا بماذا كنت افكر عندما وصل ضغطي الى 22 على عشرة، قلت لا أذكر. الافكار لا تستأذننا. إنها تنهال علينا مثل الرعد والبرق والخوف واليأس والغثيان الوطني.  وكنت أبحث عن حيلة أتذرّع بها لكي أسأل السا كيف يمكنني ان أراها مرة أخرى. لكن يبدو أنها اعتادت هذه الافكار التي تراود المتقدمين في السن، فقالت وهي تربت على كتفي (اليمين) مودِّعة: نحن الابيقراطيون أفضل ما نتمنى لمرضانا هو ألا نراهم مرة اخرى! قلت لإلسا، تماماً عكس ما يتمنونه إذا كانوا في جنوب فرنسا. *عنوان المقال مأخوذ من فيلم اريك رومر، الحواري، “ليلتي عند مود” twitter: @samir_n_atallahالكلمات الدا