الرئيسية / home slide / “ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس” لسمير عطالله… يا مرافئ البرتغال أعيدي اليَّ أغاني أماليا وقصائد بيسوا

“ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس” لسمير عطالله… يا مرافئ البرتغال أعيدي اليَّ أغاني أماليا وقصائد بيسوا

23-07-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

سليمان بختي

“ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس”.

في رأس السنة الماضية نشر #سمير عطاالله نصا في “النهار” في مقال الأربعاء الأسبوعي بعنوان “#ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس” للكاتب البرتغالي رودريغز دي سيلفا، والترجمة لعطاالله. “ذهلت برد الفعل”، يقول. نص يستحيل إستحالة تامة ان يكون مترجما بحسب جهاد الزين. لكن النص بحد ذاته مثير للدهشة والإعجاب وكان ورطة جميلة قابلة للتطور. هل يبقى قصة؟ أم يتطور إلى رواية؟ هل يبقى الإسم ملتبسا ام يظهر على حقيقته؟ استشار صديقه الشاعر وقد راقته القصة وقصتها، “والحل الوحيد هو أن تحولها من قصة قصيرة إلى رواية، هل انت قادر على ذلك؟”.

من هنا بدأت المغامرة واتضحت الصورة. وصدر الكتاب “ليلة رأٍس السنة في جزيرة دوس سانتوس” (عن الدار العربية للعلوم في 124 صفحة، والإهداء الى مي). وتبين أن رودريغز دي سيلفا هو قرين أو من تجليات سمير عطاالله، وعلى طريقة الرحابنة “لا القصة حقيقة ولا الضيعة موجودة وفي حدا خرطش على الورقة”. لماذا اختار عطاالله اللغة الأقل اشتهارا؟ “لأنها غنائية ، ولأنني عشت شبابي على أغاني فيروز وأغاني آماليا رودريغز وأحزان “الفادو”. والآن في حالة الحزن هذه تخطر في البال اماليا والبرتغال ونهر التاجو وشعر فرناندو بيسوا ورأس السنة”. المهم، ولدت رواية قصيرة عن زمن البرتغال ومناخها وأحوالها. أغوته البرتغال، بلاد تصارع قدرها مثل الإنسان الذي يصارع قدره. ومن لحظة حزن ومن لحظة تحول. كل شيء يتحول في الرواية او على ما يقول لافوازييه “لا شيء يولد لا شيء يموت كل شيء يتحول”. البطلة تتحول من مومس الى سيدة، المتقاعد يعيش آماله وخيباته وتحولاته “في انتظار المعاش وبقية العمر”. والبطل الذي سعى من مكان الى مكان بعد أن مسه الحب وغيره.

هذه في رأيي رواية عن الحب والحرية والحنين. عن المكان الذي يجسد القيم ويحددها ويكثفها. خلفية النص زمن الإستعمار الآفل في البرتغال وأشعار الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا. هناك أيضا “لحظات مهمة خلف الروح والجسد، خلف العقل والخدر، لحظة تفوق فيها الأحاسيس الغامضة كل طاقات الوعي ويصير الإنسان خارج نفسه، تتساوى فيها المتعة والحزن، العذاب واللذة، الحياة والموت”. كيف يمكن للمرء أن يواجه أعصار الحب الأول أو الأخير؟ كيف يمكن أن يواجه العزلة ويعود الى الحياة؟ هل يمكن أن ترده الأغنية والعمر كله “بضع لحظات جميلة والباقي تشبيه بالحياة”. لكن الأغنية لا تزال تصدح “يا مرافئ البرتغال، اعيدي اليَّ حبيبتي”. كأن الرواية تنطلق من غناء اماليا لتنتهي بقصائد فرناندو بيسوا “كلما امتلأ البرتغالي حزنا لجأ إلى بيسوا، وكلما ذاب ، لا حزنا ولا فرحا، بحث عن آماليا”. تعيش البرتغال زمن نهاية الإستعمار والأساطيل والأمبراطوريات “ولن ينفع شيء بعد اليوم، سنعود نحن إلى ديارنا ويستلمون هم ديارهم”.

رواية سمير عطاالله رواية مرتحلة صوب مناخات، صوب أقدار، صوب تذكارات، صوب مرافئ الحنين. يتذكر قول بيسوا “هناك سفن تبحر إلى مرافئ كثيرة ولكن ليس فيها إلا واحدة تبحر الى حيث الحياة لا ألم فيها”. أحسب أن سمير عطاالله روى القصة بينه وبين نفسه كثيرا قبل أن يرويها، قبل أن يكتبها. زار الأماكن، تحسس المشاعر، سبر غور أعماق الروح، الإنسان في وحدته وعزلته وأحلامه وموته مأساة متحركة. الأسئلة كثيرة عن المشاعر التي تؤذي وتلسع. الشغف بالأشياء المستحيلة، والحنين الى أي كان أو سيكون. وكيف تصبح الروح والبلاد على حافة كل شيء فلا يبقى سوى الإنفجار. يسأل: “كيف تكون إمرأة بطلة الحرية وعشيقة سالازار معا؟”. لكن ما يبقى صوتها “عاليا مثل البحار، واسعا مثل المحيط، سواء أصح الأمر أو كذبت الإشاعة”.

يشبه سمير عطاالله مسألة قهر الشعوب بمعاناة العبيد والمومسات .كيف يمكن أن يتخلص بلد من ذاكرته الإستعمارية؟ كيف يعود بلدا صغيرا عاقلا وطيبا جميلا ومؤنسا وليس في عنقه الجرائم و الجماجم؟

لكن الرسائل في نهاية الرواية تسهم في صنع حقيقة الأقدار المتحولة وتبيانها. ومثلما أغنية اماليا الأشهر “بيت في البرتغال” بيت من الأمل لحياة جديدة.

رواية “ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس” حمّالة أوجه تبلغنا عن الإنسان المتعب الذي يصارع أقداره، أكان ذلك في البرتغال أم في لبنان أو في فرنسا وفي أي مكان يجسد القيم ويحددها ويكثفها.

هي ليلة لا يقف فيها العالم في رأس السنة وحسب بل تشتبك الحكايات بين الذات والموضوع والتاريخ لتروي لنا حكايات جديدة عن الإنسان والعالم.