الرئيسية / مقالات / ليس للكردي إلا ماضيه…

ليس للكردي إلا ماضيه…

جهاد الزين
النهار
22122018

مرةً أخرى يواجه المشروع “الاستقلالي” الكردي، وهو لا يمكن إلا أن يكون انفصاليا عن إحدى أربع دول، حقيقةَ تحالفِ التاريخ مع الجيوبوليتيك، الجغرافيا مع المصالح الدولية.

فإعلان الرئيس دونالد ترامب، الذي كان متوقعاً، سحبَ قواته من سوريا وهي التي دخلَتْها، برِّياً، أشبه بالمتسلّلة، عكْس دخولها البونابرتي سابقاً إلى العراق وأفغانستان، يفتح، أو يغلق صفحة جديدة في ما تحب أن تعتقد النخب الكردية أنه فاجعتها الوطنية المستمرة في تخلي الغرب وروسيا المفاجئ دائما عنها بعدما تكون قد راهنت الكثير على دعمهما بأشكال ومواقيت متفاوتة.

لكن انسحاب القوات الأميركية من سوريا (والجزئي من أفغانستان) ليس فيه الزخم الفجائعي نفسه الذي كان لانهيار جمهورية مهاباد عام 1947 ولا طبعا لانهيار 1975 الأشهر بعد اتفاق صدام حسين وشاه إيران وتخلي الأخير عن المللا مصطفى البرازاني، وإن كان فيه نسبيا ، من هزيمة قوات مسعود البارازاني على أبواب كركوك بعد الاستفتاء الشهير قبل عام ونيف حيث في الحقيقة، أي في تشرين الأول 2017 قالت القوى الدولية كلمتها المدوية التي جعلت حتى إسرائيل تقف عاجزة خرساء أمام رغبتها الدائمة في دعم الانفصالية الكردية كمشروع إضعاف دائم وبنيوي للأتراك والإيرانيين والعرب وليس كمشروع استقلالي.

كانت الكلمة الدولية المدوية على أبواب كركوك العام الماضي: لا لدولة مستقلة كردية في العراق وبالتالي لا في أي مكان آخر. إذن حتما لا لهذه الدولة في كل المنطقة وعلى الأكراد أن يقبلوا أشكالا من الحكم الذاتي التي تحترم خصوصياتهم ليس أكثر.

إذن سقطت الخطوة الكردية الانفصالية في سوريا على أبواب كركوك ولم تسقط اليوم مع ترامب ولكنها تتابَع فصولاً.

بقي للأكراد السوريين، إذا أفلتوا من العقاب الأردوغاني، الذي يمثل هنا المصالح العميقة للدولة التركية بكاملها وليس لنظام حكمه فقط، الرهان على شكل من اللامركزية وربما الفدرالية داخل الدولة السورية. بهذا المعنى تنتقل الورقة الكردية السورية من اليد الأميركية إلى اليد الروسية.

المفارقة أن الأهمية العسكرية الأولى للوجود الأميركي في سوريا كانت في المناطق العربية وليس الكردية، أي في تلك الزاوية من بادية الشام (التنف) التي بإمكانها أن تقطع التواصل الصحراوي بين بغداد ودمشق أي بين طهران ودمشق والناقورة.

الانسحاب من “التنف” سيطلق أيدي روسيا وإيران والنظام السوري في التمدد حتى استعادة كامل حدود الدولة السورية الشرقية مما يعني إمكان القضاء على بقايا جيوب داعش التي كانت تستفيد من هذا “الخازوق” الأميركي في أسفل الصحراء لأنه يعرقل التحالف الثلاثي المضاد. لكن إسرائيل ستظل محتفظة بقدرتها الجوية الردعية لضبط التزام إيران بمناطق انتشار بعيدة عن حدودها الأساسية أو المحتلة ضمن التفاهم الذي أبرمته روسيا بين الدولة العبرية والجمهورية الإسلامية في كتاب جوناثان راندل* عن الأكراد ينعكس الشعور الذاتي الكردي بالخيبة المتواصلة من القوى العظمى لكن أيضا يكشف راندل كيف أن إمعان الأكراد الدائم تاريخياً في صراعاتهم مع بعضهم البعض يساهم في انهياراتهم السياسية.

منذ السقوط على أبواب كركوك العام الماضي ربح مسعود البرازاني صورة القائد المغدور التي كانت هالةَ والده الأولى، وخسر مشروعه المستقبلي. لكن مسعود لا زال على رأس نظام حكم قوي وقد آن الأوان لينصحه غير الفاسدين في محيطه بالاهتمام بتحسين معيشة الأكراد في إقليم كردستان والحد من الفساد المستشري على الطريقة البغدادية التي تجعل الفساد اللبناني فساد هواة كما ونوعا أمام الاحتراف العراقي وبالتالي التخلي عن مشاريع سياسية خطرة. لقد ازدهرت أربيل في سنوات ما بعد صدام ولم يقضِ على ذلك، ولو نسبيا، إلا هجوم التوحش الداعشي. وباستطاعتها، أي أربيل، أن تستعيد ذلك.

بالنتيجة الأكراد يمكن أن يكونوا بخير ليس فقط في العراق الفدرالي، بل أيضا في سوريا التي من مصلحتهم العميقة استعادة وحدة الدولة فيها مع قدر من اللامركزية.

الدرس الأول في التجربة الجديدة:

تفاهموا مع محيطكم لأنه اليوم لن تجدوا سوى بعض المثقفين الفرنسيين يرثون “القضية الكردية” كالعادة في الصحافة.

¶ كتاب جوناثان راندل: أمة في شقاق – دروب كردستان كما عرفتها. دار النهار للنشر – ترجمة فادي حمود – الطبعة الأولى، أيلول 1997.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد