الرئيسية / أضواء على / ليس للعذاب  سبب واحد

ليس للعذاب  سبب واحد


شربل نجار
هنا لبنان
24052018

كان لدينا منزل  بالإيجار في أشرفية بيروت وكان على أبي أن يبحث عن مساعدة تعين أمي   في شؤون المنزل وفي الإعتناء بنا وبشقيقةٍ  شلّها “فورسبس” الطبيب أثناء  ولادتها.
.
لم يكن من السهل عام 1957 أن تجد  مُساعِدات سوى من يَنزِل من القرى الجبلية إن حَظيتَ بنعمة شقيقة عزباء تمُد لك يد العون تقودها المحبة  ويُعمِيها الحنان ، “ميزتا”  جبل لبنان في تلك
الأيام.

.أما المساعِدات الجبليات بشكل عام ، فقد تضاءلت أعدادهن بعد أن  تكاثرت مدارس الراهبات في الضيع  وقد باتت تستقبل الفتيات فتُعدّهنّ زوجاتٍ  قديرات وأمهات صالحات .
وقد فعلت فعلها في هذا الإتجاه  منظمات رهبانية كمثل راهبات الرسل وراهبات القلبين الأقدسين وراهبات البوزنسون وسواها.

وفي تلك الأيام ، أيام منتصف القرن  العشرين كانت  مخازن  فتيات جبال العلويين لم تفتح على مصراعيها بعد. كانت تلك الجبال تعاني  من وحشية الإقطاع   السائد  ومن إنغلاق العلويين على أنفسهم وانفتاحهم على خير الأرض …. وما تبقى فقر وحرمان.

إن الفتيات العلويات بدأن بالتوجه الى لبنان يوم بدأت  مافيا الإتجار بالناس  تتفتح انظارها على ذلك الخزان الذي غرفت منه  سيدات من  طراز لطفية وسميرة وعفت وسواهن اللواتي تاجرن  فاغتنين عن طريق  إغراء الوالدين  العلويين باليسير،  لتسلّم  الفتاة  خادمة عند ربّة بيت  لبنانية  مقابل الكثير .

كنت في الخامسة من عمري يوم  رنّ في اذني اسم فلسطين.

تعرّف والدي إلى شخص فلسطيني يدعى أبو أندريا  فسأله عن فتاة تستطيع أن تساعد أمي في العمل المنزلي. هداه  ابو أندريا الى فلسطيني لاجئ الى مخيم صور وهو  والد  لطفرة من فتيات .

بعد أيام زارنا أبو أندريا وبصحبته  الحاج مناديلا وابنته نجاح

كان الحاج مناديلا ضخم الجثة يعتمر كوفية بيضاء وعقالا اسود اللون تتدلى منه خيوط سوداء  تزين  الكوفية وتضفي على وجه الحاج مناديلا  المُنكسِر شيئا من الوقار. كان الحاج يرتدي غنبازا رمادي اللون وينتعل حذاء أسود اللون لمّاعا  وفي يده عصا  لا يتكئ عليها بقدر ما يشير بواسطتها  الى  مكانة كان عليها  و لم ترافقه الى ديار اللجوء .

منذ ذلك اليوم دخلت نجاح  بيتنا وباشرت بكل ما أوتيت من نباهة وهمّة مساعدة أمي في أعمال البيت وإحاطة شقيقتي المصابة بالحب والدراية.

بعد مدة عاد الشيخ مناديلا ليأخذ بدل عمل ابنته نجاح. نقدته أمي المبلغ وودّعته حتى الباب وغادر.

وخلال دقائق سمعت أمي جلبة في مدخل البيت خرجت تستطلع الخبر وإذ بها ترى الحاج يضرب نجاحا بعصاه ويطرق بيده الاخرى على  باب المنزل.

دخل الحاج ممسكا بشعر ابنته بيد وبحقيبة صغيرة باليد الأخرى  وصرخ بوجه أمّي ” في بيتكم سارق “.

نظرت أمي الى الحقيبة  فوجدت فيها أكياسا صغيرة تحوي برغلا وعدسا” وحمّصا”  وما الى ذلك من أصناف  “المونة”  التي تدر بها أرضنا الجبلية،  كانت نجاح قد أعدّتها منتظرة مجيء والدها لتسلمه تلك الهدية.

استدركت أمي يومها  المأزق  وأعلمت  الحاج أن نجاحاً أعطته الحقيبة بناء على طلبها هي بالذات  فتناولها شاكرا وانصرف.

ركعت نجاح أمام “سيّدتها”  الجالسة  بالقرب من شقيقتي . وضعت رأسها في حضن أمي وبكت وهي تصرخ  ” “والله اخوتي جوعانين” .

لم أكن بعيدا عن المسرح كنت شاهدَ عيان إلا اني  لم أستوعب ما يدور من حولي  حتى سألت أمي لماذا هم “جوعانين” ؟  فأجابت : ” عائلة نجاح هربت من فلسطين”

كنت في الخامسة من عمري يوم رنّ في اذني اسم فلسطين!

نجاح لها فضل كبير علينا جميعا . جاءت من فلسطين لتعلمني كيف أربط شريط حذائي ولكي يبقى البيت هفافاً ولكي توصل غِذاءنا كل يوم الى مدرستنا التي  كنا نمضي فيها كامل نهاراتنا حيث السوديكو اليوم أو الليسيه الفرنسية  للبنين في خمسينيات القرن العشرين.

كان يصل المأكل الينا عند الثانية عشرة  ظهرا تحمله نجاح ب”مطبقية” من ألومينيوم وتسير به من قلب الأشرفية “الفوقا”  بجوار  دير العازاريين الى محطة الحاج نقولا مراد التي صارت جزءا من آ بي سي هذه الأيام  فكنيسة العطايا  ومنها الى السوديكو عبر حي بيضون.

وفي حي بيضون وإثر تجوالها يوما بعد يوم وشهرا تلو شهر وسنة إثر سنة  صادفت على طريق المدرسة  مدرستنا ! نصيبها الذي اختطفها وجعل منها سيدة مكرّمة في  منزلها البيضوني حيث لا يزال ولا تزال.

لا المساعدات اللبنانيات عرفن هذا  المصير ولا اللواتي أتين من جبال العلويين في ستينيات القرن العشرين ولا الإتيوبيات والسرلنكيات والفيليبينيات عرفت عيالهن التشرد في بلادنا. الفلسطينيات ذقن مرارته وسوريات التشرد الوحشي اللواتي لا يشتغلن كمساعدات في منازل لبنانية بل يقدمن أجسادهن على مذابح الشهوة الممتدّة من النهر الكبير الى الناقورة.

.كنت في السابعة والأربعين  من عمري يوم طن في أذني إسم  ذلك السفّاح .

واجهة المدرسة جهة خط الشام

1956 – ملعب الصغار

اضف رد