الرئيسية / أضواء على / ليس لدى الصحافيين من يستكتبهم

ليس لدى الصحافيين من يستكتبهم

 


حسن داوود
Jul 05, 2018
القدس العربي

 

لم أتعرّف على ذاك الشاب الذي مدّ يده لمصافحتي في ذلك المطعم الصغير في شارع الحمرا. وهو إذ أدرك ذلك ساعدني، لأتذكّر، بكلمة واحدة هي اسمه الأوّل. لم يكن يمتحنني بذلك التعريف الناقص، فقد ظنّ أنه كافٍ لإزالة الغبش القليل عن ذاكرتي. وأنا، على أيّ حال، رحت أتصرف على جاري عادة متأخّرة عندي، وهي أن أفتعل الانخراط الفوري في لغة المجاملات: من زمان لم نعد نلتقي، قلت له فيما أنا أفكّر إننا كنا زملاء غالبا في واحدة من الصحف – المواقع التي تنقلّت بينها مؤخّرا. «بها الشغل» قال، قبل أن يعود ليستدرك أنه بالأحرى منهمك بالبحث عن شغل. ولكي يؤكّد على قلّة الجدوى من ذلك البحث قال لي إن جريدة الحياة أقفلت اليوم مكاتبها في بيروت. ولكي لا يؤخّرني عن الخروج، بعد أن تسلّمت السندويشات التي كنت طلبتها، جمع كل ما يريد قوله بتلك الجملة: «مهنة الصحافة انتهت، خلص».
أعرف أنه لو رأى أن هناك فسحة من الوقت أطول لبدأ يعدّد الصحف التي سبقت الحياة إلى الإقفال وتلك التي ستتلوها في ذلك. منذ أشهر طويلة ما زال الكلام عن إقفال الصحف، أونصف إقفالها، وعن رواتب الصحافيين المؤجلة، وعن الاستغناء عن بعضهم بدعوى تقليص النفقات، وعن مساومتهم على المغادرة من دون أن يسمي ذلك صرفا كيفيا من الخدمة، وعن الاتفاق مع بعضهم على أن يستمروا في الكتابة لكن من دون مقابل، ما زال ذلك إذن حديث المقاهي. وبالتدريج ينتظر الجميع أن يكون دورهم هو التالي. هناك شيء لا يبدو أن العودة عنه ممكنة، وهو بالتمام ما قاله ذلك الشاب الذي بقي منتظرا طلبيته في المطعم: مهنة الصحافة انتهت خلص.
بدا في ذلك كأنه ينطق عن حكمة، على الرغم من قصر عهده بتلك المهنة. كان في مطلع ثلاثينياته كما قدّرت وهو، مع ذلك، أتيح له أن يعيش انقراض مهنته وانتهاء زمنها. لا تحدث الأمور بهذه الطريقة فالمهن تموت موتا تدريجيا في العادة. ومما يجعل هذا الموت السريع أعصى على الفهم هو أن لبنان يتميز بصحافته مثلما تتميز مدينة البندقية بسياحتها أو مثلما تتميز ألمانيا بجودة صناعتها. ها هو لبنان «بلد الصحافة والإعلام» يسرع إلى فقد ما استمر يتباهى به، ويعرّف نفسه به، منذ عقود كثيرة. بل إنه يُرجع ذلك إلى قرن ونصف القرن، زمن تأسيس لبنانيين لصحف في مصر، لتكون الصحافة ليست فقط ميزة لبنان الحاضرة بل هي تاريخه أيضا.
كان صديق صحافي قد فاجأني مرة بقوله إن صحيفة الرأي الأردنية تطبع من النسخ ما تطبعه صحافة لبنان مجتمعة. فاجأني، وكان ذلك من سنوات تزيد قليلا عن العشر، وإن كنت أجبته إن من المعلوم أن لبنان لا يقرأ. لبنان الذي لا يقرأ كان، حتى ذلك الحين، رافعا لواء صحافته، مخادعا الآخرين. حتى الآن، فيما الصحف تقفل واحدة بعد الأخرى، ما زالت التلفزيونات الأجنبية تظهر أولا صور أكشاك الجرائد في شارع الحمرا دلالة على الحيوية الإعلامية والثقافية لهذا البلد.
كان ذلك خدعة، لم تأت في آخر المطاف بل هي كانت كذلك في أوله. كنا نعرف، في سنواتنا الكثيرة في الصحافة، أننا نعمل تحت يافطات وادعاءات خادعة، مسرورين مع ذلك بالنجاحات التي نحقّقها. كان ذلك زمن الصحافة الجميل، زمن السبعين ألف نسخة، الذي نعرف فيه كيف تعمل الصحف وماذا يُملى عليها وبأي أموال تعمل. لكننا لم نكن خاضعين لذلك، مدّعين أننا كنا نقف على الحياد طالما أننا، إزاء من يجب أن يعنينا أمره، لا نأتي على ذكر حسناته لأننا لا نستطيع أن نكتب عن سوءاته.
كانت مهنة يسري عليها كل ما يسري على المهن. وكذلك ما يسري على حياتنا كلها بحسب ما استخلص الصديق الراحل محمد عبد الله حين قال، لاعبا على جملة ماركس وأنجلز، بأن اقتصادنا يعتمد «نمط الإنتاج السياسي».
الصحف تعيش آخر أيامها إذن. لا بد أن هناك، بيننا، من قد يردّ ذلك إلى مبادرتنا إلى أن نكون السباقين هذه المرة أيضا، أي أننا نسبق غيرنا إلى إماتة ما هو ميت لا محالة. وقد وجد هؤلاء البديل: المهرجانات التي يدعى إليها كبار فناني العالم وحفلات التكريم التي من المؤمّل أن تكون نسخا طبق الأصل عن احتفالات هوليوود. في الأيام الماضية غطيت ساحة النجمة والشوارع المتفرّعة منها بالسجاد الأحمر. كان المشهد مبهرا من الأعلى، من حيث جرى تصويره. وفي الأسفل، هناك عند مدخل مكان الاحتفال الذي في حجم شوارع عدة، كان التلفزيون يجري مقابلاته مع كل من الداخلات أو الداخلين. «حكينا عن فستانك، تصميم مين؟» ثم السؤال الثاني «شعرِك؟»، ثم السؤال الثالث «مكياجك؟» وكان هؤلاء يجيبون عما يُسألونه، نساءً، ورجالا أيضا. هو لبنان الهوليودي، ها هو يسبق كل محيطه، رغم عجزه وفشله وآلاف أطنان النفايات التي تكاد تخنقه.
ولا مناسبة لذلك الاحتفال، أقصد أن لا إنجازا تحقّق ليحتفى به ولا ذكرى حان أوانها السنوي. الاحتفال للاحتفال فقط.
بهرجة من دون مضمون، زنبقة بلا جذر كما سبق لشاعر أن قال. لكن منظميه حرصوا أن يبذلوا له أقصى جهودهم. ذاك أنهم يعلمون أن على عاتقهم تقع مهمة صناعة الصورة الجديدة التي ينبغي أن يكون عليها لبنان.

٭ روائي لبناني

اضف رد