الرئيسية / home slide / ليتهم حزب الرحابنة

ليتهم حزب الرحابنة

 إيلي عبدو
القدس العربي
03062021

أصاب جزئيا ذلك القيادي في الحزب القومي السوري الاجتماعي، في معرض دفاعه عن مناقب الحزب وانضباطه، عقب استعراض عسكري تخلله تهديد بالقتل لرئيس حزب لبناني آخر. إذ قال إن حزبه، هو حزب الرحابنة، وزكي ناصيف. الظواهر الفنية تلك، التي أعلت من القيم المحافظة، وقدمت صورة خرافية صافية عن لبنان، تتقاطع مع عقيدة الحزب، لناحية عناصر التكوين، والابتعاد عما هو موضوعي، والانغماس بالعِرق والهوية والأرض والجغرافيا المتخيلة، ونبذ الوطنيات. لكن هذا التقاطع، لا يلبث، أن يتحول انفصالا، لأن الرحابنة غذوا بالخرافة والسحر وقيم الريف، سردية محلية تتعلق بوطنهم، ولم يتوسعوا بهدف إعادة تشكيل الخرائط.

الرحابنة أرادوا صنع صورة إيجابية لبلدهم من عناصر غير حديثة، أما القوميون، فهم يتخيلون صورة للمنطقة، من عناصر حديثة أفرزها انحراف الحداثة

والخرافة حين تبقى في حدود وطنية، قد تتحول في أقصى حدود ضررها إلى قيم مستهلكة، يستخدمها أبناء البلد لعلاج ما يخدش صورتهم لبلدهم، لكنها حين تفيض عن الحدود، تصبح طوبى بسقف عال، وتولد التطرف وأحياناً العنف. الرحابنة أرادوا صنع صورة إيجابية لبلدهم من عناصر غير حديثة، أما القوميون، فهم يتخيلون صورة للمنطقة، من عناصر حديثة أفرزها انحراف الحداثة، وغرقها في العقل الأداتي، الذي تم ربطه بفكرة إرادة القوة والهيمنة، أي اختصار الحداثة بالعقلنة، وفصلها عن قيمها. هم ينتمون إلى هذه اللحظة التي غادرها العالم منذ عقود، بعد مراجعة واسعة، لكنهم لا يجسدونها بشكل تام. ثمة، تطعيمات محلية غير عقلانية، في عقيدتهم تتعلق بالمنطقة وطبيعتها، تحول دون ربطهم بظواهر فاشية ونازية في أوروبا، التي كان من أسباب ظهورها تمجيد العقل الأداتي. فلا تعظيم الدولة على الطريقة الإيطالية الموسولينية، ولا تعظيم الشعب على الطريقة الألمانية الهتلرية، مركزيان في عقيدة الحزب، ثمة طبعاً تقاطعات، تتعلق بـ«الشعب التام» و«وحدة ما قبل التاريخ» لكنها لا تكفي، لربط الحزب بتلك الظواهر، إذ الحزب يلتقي مع لحظة انفصال الحداثة عن قيمها، بدون أن يجسد – لحسن الحظ – ذلك في تجربة، بسبب اختلاف الظروف بين منطقتنا وأوروبا، وغرقه في المحلية «السورية». ما يعني أن الحزب، هو نتيجة أو استجابة غير مدركة، لأسوأ لحظة في تاريخ الحداثة، مع تطعيمات محلية، خرافية، فيها قدر من الرحبنة، زادت السوء سوءاً. وذلك يجعل أي مقارنة بينه وبين الرحابنة، تذهب فوراً لصالح الرحابنة، حيث أن هؤلاء، وضعوا تصوراً مثالياً للبنان بلدهم، عبر قيم محافظة وغير حديثة، فيما القوميون السوريون، التقوا مع سقطات الحداثة بدون أن يمثلوها بتجارب، وأضافوا محليتهم، فصرنا حيال تركيب متناقض، نتيجته الوحيدة، التهديد بالقتل، على ما شاهدنا في شارع الحمرا البيروتي، قبل فترة وجيزة.
الإصغاء لنتاج الرحابنة الفني، قد يريح قلق اللبناني، أو يمنحه جرعة حنين، ورغم أن ذلك، غير عقلاني، ويحض الناس على تصورات متوهمة لبلدانهم، خارج السياسة وتحصيل الحقوق، لكنه، أقل سوءا، بكل تأكيد، من هتافٍ يحضُ على القتل.

كاتب سوري من أسرة «القدس العربي»