الرئيسية / home slide / ليتها “جلْأة” فحسب يا عزيزي جهاد

ليتها “جلْأة” فحسب يا عزيزي جهاد

27-10-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”

عقل العويط

النفايات في شوارع بيروت (تعبيرية – حسام شبارو).

لا. العيشة (اللبنانيّة) التي نعيشها، ليست عيشة كلاب داشرة، فالتة، شاردة، لهفانة، جربانة، كلبانة، ومشتهية فتات الطعام من على موائد اللئام.
هي أقلّ. هي أقلّ. وبكثير. وليسامحني رفيقي كوبر. وليسامحني الكلاب عن بكرة آبائهم وأمّهاتهم. وتبًّا لي لأنّي أشبّه هذه الحياة بحياة الكلاب، تحقيرًا لها، وإعرابًا عن دونيّتها. حياتنا هي دون. بل دون الدون. لو استطعتُ لوصفتُها بما “يليق” بها. لكنّها لا توصَف، لأنّ الكلمات أعجز من أنْ تصل إلى نعال صبابيطها، فكيف تصل إلى جوهرها وحقيقتها. ولأنّ كاتب الكلمات، هو – شأن غالبيّة اللبنانيّات واللبنانيّين – فريستها (الوجوديّة)، ولقمتها غير السائغة، ويأسها الذي لا سقف له، ولا قعر، وهو عدمُها الإنسانيّ الأشدّ وضوحًا.يمكنني أنْ أستعين بالتشابيه والاستعارات والكنايات والمقارنات، لكنّها ستكون مضحكة، ومثيرة للشفقة، وستكون مدعاة للهزء والسخرية، هزيلة، فقيرة، ممصوصة، وبلا معنى.ليست المسألة فحسب مسألة انهيار الليرة، ولا مسألة الفقر والجوع والحاجة إلى الدواء والاستشفاء وشراء الوقود، وإلى آخره. هذا بعضٌ من الجانب المرئيّ من جبل الجليد المأسويّ. أمّا الجانب اللّامرئيّ، فهو العطب غير القابل للشفاء، الذي يدمّر معايير التوازن والتماسك والصلابة والمنعة، ويخرّب ياسمين الوجدان والجوارح والروح، ويشوّش صفاء العقل، ويمحق، ويهرس، ويمعس، ويجعل المرء يتمنّى أنْ لا يكون (موجودًا)، بل يتمنّى الموت، وهو في عزّ الشباب.والمسألة ليست مسألة رغيف فحسب، ولا مسألة تفّاحة عالقة في الزلعوم منذ الأزل. إنّها أيضًا مسألة هؤلاء السفلة الأنذال القوّادين العهّار أولاد الأفاعي الذين “يركبون” بلادنا، ويبتزّون أرواحنا، ويستنزفون فلذات أكبادنا، ولا أحد يستطيع أنْ يرشقهم بوردة، فكيف ببصقة.والمسألة ليست مسألة تفجير مرفأ، ولا مسألة طريق صيدا القديمة فحسب، ولا فقط مسألة رئيس ورؤساء ومناصب، ولا قرارات ظنّيّة، وانتخابات، بل مسألة هذه القطعان البشريّة المسوقة إلى المسالخ بتشاوفٍ حربيٍّ، طائفيٍّ مذهبيّ، وبفجاجةٍ غبيّة، وبصلافةٍ عمياء، وانعدام حياء. والمسألة ليست مسألة يوم ويومين وثلاثة أيّام، أو غيمة صيف وصيفَين. بل مسألة حاضرٍ موجوعٍ متطاول، ومستقبلٍ غامضٍ مدلهمّ، ومصيرٍ جهنّميٍّ برمّته. فكيف يوصف وضعٌ كهذا الوضع، وخصوصًا – خصوصًا – عندما لا يعود المرء يشتهي أنْ يتنفّس، ولا أنْ يرى، ولا أنْ يسمع، ولا أنْ يأكل، ولا أنْ يشرب، ولا أنْ يجلس، ولا أنْ يمشي، ولا أنْ يستيقظ، ولا أنْ ينام، ولا حتّى… أنْ يكون حجرًا، أو عشبةً تنمو في قلب حجر.لا. ليست عيشة كلاب. ما أجمل الكلاب، وما أشرفهم، وما أوفاهم، وما أطيب الإقامة في ظهرانيهم، أمام العيشة التي نعيشها.كتب زميلنا الكبير جهاد الزين، الثلثاء 26 تشرين الأوّل، مقالًا فارسًا ومشرِّفًا في “النهار”، عنوانه “لتقف هذه “الجلْأة: شيعة! شيعة!”. والمقال ينطبق مضمونه على هذه الحياة (اللبنانيّة) برمّتها. لكنْ، ليتها “جلْأة” فحسب، يا عزيزي جهاد. ليتها فقط “جلْأة”.
akl.awit@annahar.com.lb