الرئيسية / home slide / لو كان الحزبان القومي والشيوعي حاضرين

لو كان الحزبان القومي والشيوعي حاضرين

18-09-2020 | 22:48 المصدر: النهار

سميح صعب

الحزبان القومي والشيوعي

هذا ليس حنيناً إلى ماضٍ مضى واندثر. وإنما مع تجدد التوترات الطائفية في لبنان ثمة من ينادي بإصلاح سياسي عنوانه إقامة دولة مدنية بينما البعض الآخر يقول بإجراء انتخابات نيابية خارج القيد الطائفي وتأسيس مجلس شيوخ يكون بمثابة تطمين للطوائف بحيث لا تفتئت طائفة على حق طائفة أخرى وتخلق نوعاً من التوازن السياسي في ما بينها.   
ووسط غبار التطاحن الطائفي والمذهبي الذي يتسيد المشهد في لبنان، تغيب عنه قوتان علمانيتان كان يفترض بهما أن تشكلا نموذجاً لكسر الحدود الطائفية وبناء بيئة علمانية سليمة. والمعني هنا هما الحزب الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي. وباستثناء هذين الحزبين لم يستطع أي حزب آخر في لبنان أن يثبت جدارته في تجاوز الحدود الطائفية والمذهبية، إلا في حالات نادرة ولأسباب استعراضية.   
ومع ذلك، نكاد لا نجد أثراً لمواقف هذين الحزبين في الحياة السياسية اللبنانية اليوم، على رغم أن المنادين بالإصلاح السياسي لا يقدمون جديداً عما كان يطرحه الحزبان منذ تأسيسهما قبل أكثر من ثمانية عقود، أو أن كل ما يطرح من علاجات لا ترقى إلى ما سبق ونادى به هذان الحزبان.    
ولعل من الأسباب التي أفضت إلى هذا الغياب المدوي للحزبين، كان خروجهما منهكين من الحرب الأهلية، ومن ثم دخول كل منهما في دائرة الانقسامات والتشرذم، وبات كل حزب منهما مجموعات متناحرة لا تؤلف بين قلوبها وحدة العقيدة والهدف. وتغلغلت النزعات السلطوية داخل الحزبين فكانت الانشقاقات المعلنة وغير المعلنة ومنها من هجر الحزبين بعدما ضاق ذرعاً بممارسات لا تمت إلى جوهرهما بصلة.   
وانعكس التفتت ضعفاً في التواجد والانتشار، بينما كانت الأحزاب الطائفية تتصدر المشهد. وبينما أقصي الحزب الشيوعي عن الحياة السياسية بمعنى المشاركة في مجلس النواب أو الحكومات، كانت مشاركة الحزب القومي تتم في ظل عباءة التحالف مع أحزاب ليست علمانية أو مع قوى متنفذة لا تربطه بها قواسم مشتركة. ولم يحدث أن تحالف القومي والشيوعي في أي انتخابات. وهذا خطأ يتحمله الحزبان، خطأ اودى بهما في مناحي التراجع والتقهقر أمام القوى الطائفية.   
ربما الجيل الجديد في لبنان الذي يسمع الان عن المجتمع المدني وتبهره دعواته، لا يعلم أن في لبنان منذ عقود حزبان ناديا بالعلمانية الكاملة وبفصل الدين عن الدولة وبمنع تدخل رجال الدين في السياسة. حزبان كانت ممارستهما لا تشوبها شائبة طوال الحرب الأهلية، فلم يمارسا القتل على الهوية ولم يمارسا التهجير لأسباب طائفية، والحزبان الوحيدان اللذان انتشرا على أرجاء الوطن.   
ومن دواعي الأسف أن يغيب هذان الحزبان ويصيران من الماضي في ذروة اشتداد المرض على لبنان واستعصاء الحلول. وإذا كان التغيير مستحيلاً من دون تغيير في المجتمع، فإن القوتان اللتان أحدثتا تغييراً في المجتمع، صارتا اليوم من الماضي.    
والمضحك المبكي أن تنبري اليوم الأحزاب الطائفية التي هي علة العلل، إلى المطالبة بمحاربة الفساد وبالاصلاح السياسي! 

samih.saab@annahar.com.lb