لور غريب ومازن كرباج: «مراسلات» وذكريات… والكثير من الشغب!

عمل «عشاق» الذي أنجزاه خلال إقامة فنيّة في مدينة رين الفرنسية

في «متحف سرسق»، التقت الناقدة والشاعرة والرسامة البالغة 88 عاماً، بابنها الموسيقي وفنان الكوميكس البالغ نصف عمرها تماماً. يميل مازن إلى إنجاز رسوماته بسرعة تقترب من الارتجال اللاواعي، أما لور فقد ارتاحت وتفككت تعقيداتها الخطوطية تماماً مع العمر. في كلّ مرّة عملا فيها معاً، كلّ على هامش تجربته الفنية، كانت البداية تأتي على هيئة لعبة، كتبرير شكلي لهذا التواصل؟ يحكيان عن يومياتهما التي مهما وصلت إلى السوداويّة، فإن منطقها الوحيد يبقى السخرية

يتصدّر الكنغر غلاف كتيّب معرض «لور ومازن بيني وبينك» في «متحف سرسق» (الأشرفيّة ــ بيروت). لوجهه ملامح امرأة مصنوعة من زخرفات لور غريّب بالحبر الأسود. يرتفع رأس من جيب بطنها: عينان محملقتان وأنف كبير كتلك الأنوف الناتئة من وجوه كائنات مازن كرباج. جسد الأم والابن ينفلش كخارطة طافحة بالخطوط والوجوه والكلمات. سيرتان تبدوان أحياناً منفصلتين بثخن الخط أو دقته، فيما تقولان حياة واحدة من منظورين وأسلوبين مختلفين. لوحة «الكنغر» هذه تعود إلى معرض مشترك للور غريّب (1931) ومازن كرباج (1975) بعنوان «أبجديّة لور غريب ومازن كرباج» (2015). الآن، يكون قد مضى على بدء تعاونهما حوالى ثلاثة عشر عاماً. جاءت الفكرة سنة 2006، السنة التي تختصر حدثاً واحداً هو العدوان الإسرائيلي على لبنان. كأنما القصف ومشاهد الدمار التي شاهدها لور ومازن كل من منزله، كانت مجرّد سبب آخر لفتح مسارات واقتراحات بصريّة لهذه العلاقة البيولوجيّة/ الفنيّة، من خلال حوار بصري ولغوي متدفّق. 

بعد رسومات حرب تمّوز التي أنجزاها على دفترين موجودين في المعرض، عملا على بورتريه ذاتي حمل اسم «أنت وأنا حبر وورق» (2008) طوّرا فيه تقنيات الأيادي الأربع، تلاه معرض بالعنوان نفسه عام 2010، ثم كتاب «غداً لن يأتي» (2014). ماذا يمكن أن يضيفه هذا اللقاء؟ لعلّ انتظار «الجديد» ليس الفعل الأمثل للتعامل مع تجربة فنيّة كهذه تقوم على شفافيّة تصل إلى كشف كواليس العمل الفني ومفاتيحه، خصوصاً في المعرض الحالي. إذ إن ما يحفظ فرادة الأعمال، هي التلقائيّة، واللغو، وفيض الأفكار والمشاعر والضربات الأوليّة التي يبقى مصيرها مجهولاً على لفافات الورق التي لا تتوقّف. لور غريّب التي عملت منذ البداية على تلك الزخرفات والخطوط الرفيعة بالحبر الصيني، تجد مكانها بيسر في متواليات مازن البصرية والسردية التي تتضمّن تساؤلات لمّاحة وبسيطة في العلاقة مع العالم والذاكرة، متجسّدةً في كائنات تحمل من الدهشة ما يطيل عمر السؤال. حين تبلغ لور الناقدة والشاعرة والرسامة الـ 88 من عمرها، يكون مازن الموسيقي وفنان الكوميكس قد بلغ الرابعة والأربعين من عمره، أي نصف عمرها تماماً. يميل مازن إلى إنجاز رسوماته بسرعة تقترب من الارتجال اللاواعي، أما لور فقد ارتاحت وتفككت تعقيداتها الخطوطية تماماً مع العمر. في كلّ مرّة عملا فيها معاً، كلّ على هامش تجربته الفنية، كانت البداية تأتي على هيئة لعبة، كتبرير شكلي لهذا التواصل الذي كان سيحدث في كل الحالات. هكذا فعلا في عملهما الجديد «بيننا» في المعرض. هناك مسافتان زمانيّة ومكانيّة تتوسّطان الـ «بيني» والـ «بينك» التي قد تأتي على لسان واحد من لور ومازن، وهو يقولها للآخر. المسافة كانت نقطة الانطلاق في اللفافة الورقيّة. ملأها الفنانان بذكرياتهما وهواجسهما اليومية وتعليقاتهما النزقة وشتائمهما والرسومات التي تتمدّد بين كل هذا. حين سافر مازن إلى برلين قبل سنوات، كان عليهما أن يبحثا عن طريقة للعمل. ذات ليلة، اتصل بأمّه وكان تحت تأثير الكحول. تتلفظ بعبارات غير مفهومة تماماً «ذكريني بكرا باللفافة». وحين فعلت لور، لم يتذكّر فوراً.

لاحقاً، سيبدأ تعاونهما على لفافة طويلة تلتفّ على جدران المعرض، نتنقل مشياً لنتابعها كما لو أننا نتجوّل في أيامهما التي كانت تجري بين بيروت وبرلين طوال ثلاث سنوات. تخبرنا غريّب أكثر عن العمليّة. قسما لفافة الورق الطويلة إلى أجزاء. كانت لور تبدأ بالرسم وتترك فراغات لمازن قبل أن ترسلها إليه بالطائرة. قد يحدّد التاريخ على الورقة فيعود مازن ويملأ الفراغات، بالاستناد إلى انطباعاته عن الفترة ذاتها. المسافة التي كانت تقطعها الأوراق هي تجسيد مادّي، لكل ما قد يفصل بين مازن وأمّه. يتعاركان لكنهما لا يفقدان القدرة على أن يصبحا جسداً واحداً. يحكيان عن يومياتهما التي مهما وصلت إلى السوداويّة، فإن منطقها الوحيد يبقى السخرية، والشغب. يصل لور ومازن بالكشف إلى مراحله القصوى في هذا العمل. بالنسبة إلى بعض الفنانين والكتاب أيضاً، تبقى التلقائية هاجساً يصعب بلوغه. أما هنا، فالتفلت قد يسبق الأقلام ويجرّها مثلما تسأل لور «لماذا الخربشة، هل فرغ الدماغ من خياله؟» كردّ على خربشاته. يتبادلان الشتائم، يقولان كلّ شيء كمن يحكي داخل رأسه. اليوميات الشخصيّة بتفاصيلها، تكملها أحياناً محطات من التاريخ العام الذي يستعيد المدينة في ذروتها الفنية خلال الستينيات والسبعينيات. عدم معرفتهما بمصير اللفافة، أي عدم تيقّنهما إن كانت ستعرض أم لا، هو ما يحافظ على هذا الإيقاع بين الفنانين، متناسين مقاييس وشروط العرض التي قد تعرقل هذا التدفّق. تتفاوت الوجوه والرسمات. أحياناً، تظهر مسوخ ووجوه هائمة بخطوط ضئيلة جداً تبقيها بلا أعمار أو أجناس، فيما يفرد مازن مساحة لرسمة مفصلة لبورتريه ذاتي له مع عائلته على الشاطئ. يوم مثاليّ ربّما. على اللفافة الطويلة، سيصعب أحياناً الفصل بين صوتيهما ورسوماتهما. صارا يعرفان كيف يصيران واحداً، فيقتحم أحدهما مساحة الآخر بسهولة. ولعلّ هذا أهم ما يصل المتفرّج من هذه التجربة، أي حين لا يعد قادراً على التمييز بين لور ومازن على الورقة: «هل نلتقي في أيّام الاعتراف في التقمّص»، يسأل الصوت، فيجيبه آخر «لن نلتقي في حياة أخرى. لا أستطيع أن أتخيّل حياة ثانية». 

القلق من الموت، الفراق، يظهر كمصير محتّم، وسؤاله الحاضر دائماً يصلح لأن يكون سؤالاً عن مصير هذه اللفافة أو التجربة نفسها. لكنهما يعرفان كيف يتجنبان الحديث عن الموضوع حين يريدان ذلك. فيتهكّم مازن: «أم كلثوم التي تمغط مثل علكة المسكي». يستعيدان زمن المسرح الجميل أيام كان أنطوان الأب والزوج يعتلي الخشبة. نعرف، حين ننظر إلى هذا الخليط المتداخل من أحشاء الرؤوس المفرغة أن الرسم يصير هو الخلاص اليومي. هو هذه الحركة التلقائيّة التي تساعد على هضم العمر ومروره «صرت أنت الكبير وأنا الصغيرة»، وحتى أنطوان ملك المسرح «يحاول استرجاع الطفولة، فلنصمت احتراماً للعمر الهارب، آمين». هكذا يتقاذفان المخاوف. لكنها تخرج هنا بأقلام الحبر والخط والتلوين، والفحم والباستيل والألوان الزيتية والمائية التي تعزز التضارب مع الأبيض والأسود. فضلاً عن كولاجات لرسومات ابنتيه، وكتالوغ لمعرض عن سيغموند فرويد في برلين. يستعيد المعرض الحالي، بعض الأعمال السابقة لهما. ما يتيح لنا النظر إلى هذه التجربة منذ البداية. إلى جانب اللفافة الطويلة، هناك لفافة أخرى في منتصف الصالة.

اليوميات الشخصيّة تكملها محطات من التاريخ العام الذي يستعيد بيروت الستينيات والسبعينيات

أنجز لور ومازن عمل «عشاق» خلال إقامة فنيّة مشتركة في إطار البينالي الثاني للكتابات في مدينة رين الفرنسية، في شهر حزيران (يونيو) الماضي. قررا العمل على موضوع محدّد هو العشاق ولعناتهم في التاريخ. لا قواسم مشتركة بينهم سوى العشق والقصّة وراءه. خلال هذه الإقامة التي امتدّت لحوالى سبعة أيام، عملا معاً وأحياناً بدوامات مختلفة. هنا يمكن التمييز بين كائناتهما، ويبدو الرسم واعياً أكثر، ولو ظهرت أمامنا ملاحظة تركها مازن لأمّه. لور ترسم سيمون دو بوفوار وجان بول سارتر. على الورق يمدّدان هذه السير إلى القصائد. إنها سير كاريكاتورية ومكثّفة، حاولا فيها أن يوجزا سيرة الشخص. مارلين مونرو وجون كينيدي الذي يلبس العلم الأميركي. خطوط لور غريب المتداخلة وأشكالها وكائناتها المصنوعة من الحبر والكولاجات والكلام تبدو أشد تعقيداً. الموت والحب يتناومان تحت قصر تاج محل، حيث يفلت مازن ألوانه وبقعه الطائشة على الورقة. بول فيرلان وآرثر رامبو، ثم عنترة وعبلة، ثمّ لم ينس مازن أن يلحق والديه بقافلة العشاق: أنطوان كرباج ولور غريّب. 

* «لور ومازن بيني وبينك»: حتى 26 آب (أغسطس) ـــ «متحف سرسق» (الأشرفية ــ بيروت).للاستعلام 01/202001

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*