الرئيسية / مقالات / لوحة النار: كيف رُسمت وإلى أين تقود؟

لوحة النار: كيف رُسمت وإلى أين تقود؟

من تظاهرة رياض الصلح (مروان عساف).

تتوسّع حلقة النار في شوارع العاصمة بيروت كلّما تقدّم الوقت بعقارب الساعة المثقلة بالأحداث السياسية والشعبية التي أمطرت شرارات غضب امتدّت على مساحة الـ10452 كلم مربع. وإذا بمئات انطلقوا على غفلة من ساحة الشهداء ومشوا باتجاه أسواق بيروت وصولاً إلى الحمراء، يتحوّلون آلافاً مع كلّ خطوة جديدة وطأتها أقدامهم على وقع صرخات ومطالبات شعبية مستنكرة السلة الضرائبية المعتزم فرضها. فجأة، أضحى تطبيق “واتساب” وأخواته من منصات التواصل الاجتماعي، وسيلة تواصل مجانية وجسر عبور من واقع لبناني إلى آخر، فتح المساحات والمسافات على بعضها. فإذا بعدد كبير ممن شاهدوا وأنصتوا إلى غضب المعتصمين عبر التغطية المباشرة أو الفيديوات المتناقلة، أن انضموا إلى كرة النار التي عاينتها “النهار” ميدانياً على مدى يومين. وغدت مواقع التواصل الاجتماعي منظّم ايقاع الغضب الشعبي العفوي، فهذا الذي يتصل بقريبه: “وينك؟”، وتلك التي تبعث رسالة صوتية إلى قريبها: “نزال”، وذاك الذي ينقل الحدث عبر “فايسبوك لايف”. المئات صاروا آلافاً في غضون ساعات مشياً على الأقدام مساء الخميس بين ساحة الشهداء فالحمراء وجسر الرينغ، حيث كبرت كرة النار عفوياً وانعكست غضباً شعبياً قطع طرقاً بالنار من جنوب البلاد إلى شمالها.

يظهر جلياً لمواكبي التظاهرة عن كثب على مدى ساعات بين مساء الخميس ومساء الجمعة أن غالبية الوفود تقاطرت عفوياً مع حضور لافت للعنصر الشبابي الذي طغى على الصورة العامة. واقتصرت فرق المتظاهرين المنظّمة التي توجّهت إلى الميدان على شبّان حضروا بواسطة شاحنات صغيرة أو على درّاجات نارية، فتقاطع المتظاهرون على اختلاف فروقهم الطبقية والتعليمية. وبرز إلى جانب هؤلاء المنادين بشعارات مطلبية، سياحاً شاهدوا عن كثب التطوّرات من مقاهي وسط بيروت وحاناتها، ومنهم من عبّر عن استغرابه أو إعجابه بما يحصل. وبذلك، اقتصرت التحرّكات المنظّمة على مجموعات صغيرة من الشبان أو الأقارب أو الأصدقاء، الذين سار بعضهم إلى جانب بعض. ولوحظ أيضاً مشاركة فئة منظّمة تقصّدت افتعال أعمال الشغب، فاقتلعت الأعمدة الحديدية والدعائم الخشبية وأحرقت مستوعبات النفايات وأضرمت النيران في ممتلكات خاصة. ولا تلغي أفعال الشغب الصورة المسالمة التي عكستها الفئة الأكبر من المشاركين.

لوحة المتظاهرين النارية قابلتها لوحة ناريةسياسية عبر تصريحات متنوعّة، شدّدت في غالبيتها على أحقية المطالب التي نادى بها المتظاهرون في مختلف المناطق اللبنانية. ترقّبت الانطباعات كلمة الرئيس سعد الحريري من جهة والشرارة السياسية بين الحزب التقدمي الاشتراكي و”التيار الوطني الحرّ” من جهة أخرى. وكانت وزيرة الداخلية ريا الحسن، أكّدت في حديث لـ”النهار” أن “لا اتجاه لدى الرئيس الحريري لتقديم استقالته، فأي أهداف تحقّقها الاستقالة؟ اذا خال الناس أنّه باستقالة الحكومة سيتحسن الوضع، فهم مخطئون، ذلك أنّ لا خيارات كثيرة أمام الوضع الاقتصادي الراهن سوى الخيارات التي نتخذها. إذا سقطت الحكومة فسيسوء الوضع ولن يتحسن. وأي حكومة جديدة ستضطر لاتخاذ الإجراءات نفسها التي تتخذها هذه الحكومة”، مشدّدة على “ضرورة الجلوس سوياً والبحث في سلة إجراءات نتخذها، ولكن بطريقة نقدر من خلالها تخفيف وطأتها على الناس. علينا أن نعمل يداً واحدة. أمّا التنصل من المسؤولية، فلا يساهم في تمرير المرحلة المقبلة”.

وقالت وزيرة التمنية الإدارية مي شدياق لـ”النهار”، تعقيباً على المشهدية المطلبية، إن “القوات اللبنانية دعت إلى تفعيل الاصلاحات والحلول العملية بأقصى ما يمكن وعلى مدى قصير وأن تكون الحلول عملية بشكل سريع. فاق المشهد الذي نراه ما كنّا نتخوّف منه، لكن من ناحية أخرى عندما نرى أن اللبنانيين يعترضون على المسألة ذاتها، يعني ذلك أن هناك وجعاً يعبّرون عنه بغضّ النظر عن انتماءاتهم. ويعني ذلك أن الطريقة لم تكن فضلى في إدارة شؤون البلاد. ولا شكّ في أن البعض يمكن أن يدخل على الخطّ محاولاً استغلال الوضع وأخذ الأمور إلى منحى يناسب اتجاهاته ومحاوره، لكن في صورة عامة لغاية الساعة، الوضع يظهر نقمة شعبية نتيجة الوضع الاقتصادي الصعب. ولا يمكن أن نعتب على المواطن، ولا بد من اتخاذ خطوات عملية واضحة وجريئة وموجعة للخروج من المأزق، بدلاً من إعطاء المهدّئات”، مؤكّدةً أن “رئيس القوات الدكتور سمير جعجع كان طالب بحكومة اختصاصيين في لقاء بعبدا، داعياً إلى استقالة الحكومة لانقاذ البلاد من الوضع الاقتصادي المتدهور”.

واعتبر وزير الثقافة محمد داوود أن “للشعب الحقّ الشرعي في التعبير عن رأيه ضمن الأطر والضوابط. والشعب مصدر السلطات، واذا قرّر أنّه لا يريد هذه السلطات فهذا حقه الشرعي”.

وسخنت في هذه الغضون، المواقف السياسية التي عبّر عنها الحزب التقدمي الاشتراكي ودعواته للتظاهر. في رأي التقدمي، “وصل العهد إلى أفق مسدود بعد مرور نصف الولاية، إذ حصل تراجع على كلّ المستويات، وتمّ تدمير علاقات لبنان الخارجية والمستوى الاقتصادي – الاجتماعي لم يصل إلى هذا القدر من التراجع والفساد مستشرٍ. حصلت كلّ أشكال التلاعب في التوازنات الداخلية والعلاقات السياسية الداخلية. وتالياً، أوصل العهد نفسه إلى هذه النقطة، لذلك قرّرنا القيام بهذه الاعتصامات السلمية، بعدما كنّا أوّل من بادر من خلال المظاهرة الضخمة لمنظمة الشباب التقدمي، فتحرّكنا لإحداث تغيير في الواقع القائم”، يقول مفوّض الاعلام في الحزب التقدمي رامي الريس لـ”النهار”، مضيفاً: التقدمي يتّخذ خطوة إلى الأمام، من خلال القول إن العهد فاسد وفاشل وحكومات الوحدة الوطنية التي فرضتها الوصاية السورية أنها كذبة كبيرة وتجربة فاشلة، ولنذهب إلى تجارب جديدة تتيح أن يكون هناك عمل أكثر انتظاماً في الواقع الداخلي اللبناني”.

من جهته، أشار عضو تكتل “لبنان القوي” النائب جورج عطاالله إلى “أننا اعتدنا على الحملات التي لا طعم لها. نفضّل أن نركّز على مطالب الناس التي نخوض معركتها من خلال مشاريع قوانين، منها مثلاً، استعادة الأموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية عن موظّفي الدولة”، مضيفاً: “أرى على المستوى الشخصي والسياسي أن المطالبات لا توجّه إلى رئيس الجمهورية، والعهد لا يختصر بشخص رئيس الجمهورية بل عبارة عن الطبقة الحاكمة في كليّتها، أي الحكومة والمجلس النيابي”.

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد