لن يُحْيي قرّاءٌ موتى صحافةً محتضرة

جهاد الزين
النهار
02102018

(بمناسبة إقفال صحيفة لبنانية جديدة مع شقيقاتها في مؤسسة واحدة)

الفكرة السائدة عن تضاؤل الإعلان، السياسي والتجاري، على صحتها السببيّة المباشرة كمصدر تراجع بل موت الصحف في لبنان وبعض العالم، لا تجيب على السبب الجوهري لا السطحي لأزمة الصحافة الورقية في بعض البلدان ومنها لبنان.

جوهر الموضوع أن القارئ بالمعنى الذي عرفناه هو الذي يموت فيسبِّب موت الإعلان.

كانت صداقات أو عداوات الصحافيين اللبنانيين الكبار، تحديدا أصحاب الصحف، وبعض الصحافيين، هي عمليا عداوات الدول لا الأفراد وغالبا الدول مجسّدة برؤسائها. كان هذا الرئيس، ملكا أو رئيسا أو بينهما هو القارئ الأول للصحيفة الصديقة أو العدوة. كامل مروة قتله رئيس دولة وسليم اللوزي قتله رئيس دولة آخر وطلال سلمان اتُّهِم رئيسُ دولة لبناني بمحاولة اغتياله. على الأقل هذا ما كان طلال سلمان يقوله. غسان تويني أفلت، الأرجح بأعجوبة، من الاغتيال على مدى نصف قرن، نجله جبران لم يُفلت، ناجي العلي الرسام الصحافي، صاحب الكاريكاتور الصحافي، أي الصحافي بالنتيجة، قتله زعيمٌ برتبة رئيس دولة. والأسماء الضحايا عديدة من بيروت حتى… أربيل.

كان هؤلاء الرؤساء حتى وهم يَقتلون، “يصنعون” أهميةَ الصحيفة أو الصحافي لأنهم الوجه الآخر لصداقاتها الكبيرة حين تكون صحيفة مؤثِّرة من وجهة نظرهم للمخاطر والترويج.

هذا نوع من القراء – الآلهة مات أو هو تضاءل، يعني في طريق الموت. كان هؤلاء يأتون بالإعلان السياسي. اليوم، إذا كان الجيل الجديد من الحكام العرب يكاد لا يرى العاصمة التي تصدر منها الصحيفة، ولا يرى سوى صحافة نيويورك وواشنطن ولندن وباريس وهامبورغ كيف يكون قارئا لمدنٍ أخرى هي في نظره مدنٌ لا حريات فيها، وهو يعرف تماما ماذا يعني غياب الحريات و”ضرورة” هذا الغياب من موقعه كحاكم خصوصاً في منطقتنا. فكما علّق رئيس دولة عربي في تسعينات القرن الماضي على أحداث الجزائر في نهاية الثمانينات بأن الخطأ يومها كان إجراء الانتخابات وليس ما حصل نتيجة إجرائها.

القارئ الصديق – العدو أو القارئان العدو والصديق، هما توْأَما التمويل السياسي الكبير.

هناك طبعاً القارئ المسمّى “العادي”. أين هو؟ هل لا زال قارئاً؟ نعم ولا. هذا القارئ، خلافا للشائع لم يكن شعبيا. في كل العالم هو قارئ نخبوي. فلم تتخطّ نسبة بيع الصحفِ العملاقةِ التوزيعِ العشرةَ إلى الـ15 بالماية، في الهند “تايمز أوف إنديا” التي كانت في فترة الأكثر توزيعا في العالم، لم تتخطّ الثلاثة ملايين نسخة ونيِّف، قيل أن الصحافة اليابانية والألمانية بلغت الأرقام الأعلى. لكن حتى نسبة القراء الـ18 بالماية من عدد السكان ليست هي “الشعب”. اليوم “أساهي” اليابانية تتجاوز الـ 11مليونا يوميا. هؤلاء نخبة من الشعب الياباني وليسوا الشعب الياباني الذي يبلغ تعداده بين الماية وسبعة وعشرين والماية وثمانية وعشرين مليوناً.

إذن الصحف الورقية تمتد إلى النخبة الواسعة وليست شعبية. في مصر “الأهرام” كانت في أحسن أيامها على حدود المليون نسخة، في تركيا أيضا، على الأقل في السابق كانت “صباح” و”مللييت” و”حريات” تتبادل التنافس على توزيع السبعماية ألف نسخة أو أكثر قليلا. في إيران تقاليد صحافة مزدهرة لكن ليست بقوة الصحف الهندية والتركية وحتى المصرية.

لبنان الرقم القياسي وَصَلَتْهُ “النهار” قبل الحرب الأهلية بتجاوز بضعة آلاف للماية ألف، ولكن الرقم المزدهر لها ولبعض غيرها بقي حول الخمسين ألفا. بعض الذي يجب أن ندرسه في توزيع الصحف اللبنانية قبل الحرب هو نسبة القراء الطلاب والمتعلمين.

هذا القارئ الجديد ربما أصبح، كشخص، أكثر حداثة واطلاعاً ولكنه لم يعد “القارئ” الذي عاش بين تأسيس أول صحيفة في القرن الثامن عشر في بريطانيا وبين ظهور الانترنت، الانترنت الذي هو، من حسن الحظ، ظاهرة قراءة، وليس ظاهرةَ مُشاهَدَة كما هو التلفزيون أو ظاهرة استماع كما هي الإذاعة.

دعوني أضيف هنا عاملا أراه جوهريا غالبا ما لا يٌلتَفَت إليه كفايةً وهو أن قراء صحف اليوم في منطقتنا وتحديدا لبنان لم تعد لديهم مساحة التوقّعات نفسها التي كانوا ينتظرونها صباح كل يوم من الصحيفة. خصوصا على المستوى السياسي بل تحديدا على المستوى السياسي. فماذا سينتظر قارئ من صحيفة تعج بمندوبي السياسيين وليس بمندوبيها إلى السياسيين؟ هذه أزمة تضاؤل الحياة الديموقراطية بمعزل عن الضجيج الزبائني الذي تعج به الصحف. قارئٌ بلا توقعات ليس قارئاً بل مومياء ناطقة.

قارئٌ ما مات، ولكنْ هناك قارئ جديد وُلد، عَثَرَتْ على فئاتٍ عديدة منه صحيفةٌ مثل “النيويورك تايمز” و”الواشنطن بوست” وبعض الصحف اليابانية والألمانية والبريطانية والفرنسية. ولذلك الصورة مضيئة في العديد من دول العالم لاسيما في الغرب والهند والصين.

لم نعثر على هذا القارئ، كما يجب، بعد، في لبنان. لا زلنا عموماً نعيش كصحافيين بين القراء “الموتى” وبعض، بعض، القراء الجدد. من يعثر على أحد الجدد ليُبلغ أول مخفر شرطة، وله الشكر. إنه موجود، لاشك موجود.

وللشاعر بدوي الجبل بيتٌ سبقت ولادتُه ولادةَ لوحةٍ شبيهة المضمون لسلفادور دالي:

“نحن موتى وشر ما ابتدع الطغْ

يانُ موتى على الدروب تسيرُ”

لن يُحيي صحفاً محتضرةً قرّاءٌ أموات.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*