الرئيسية / مقالات / لن ندع هذه السلطة الفاجرة تقذف بنا الى قعر سلًم الحاجات الانسانية

لن ندع هذه السلطة الفاجرة تقذف بنا الى قعر سلًم الحاجات الانسانية

(تصوير احمد عزاقير)

معظم اللبنانيين في حالة انتظار.

ليس انتظارا للفرج ولا للنفط بالطبع.

وليس انتظارا لصحوة ضمير عند افراد السلطة ولا عند القوى العالمية التي تحاصرنا وتضع علينا شروطا لانقاذنا من الموت.

انه انتظار لعدوى “كورونا”، الذي يزحف حثيثا في اتجاه اجسادنا الضعيفة.

انه انتظار لدولار تتمنن علينا به المصارف التي سرقت اموالنا بالتواطؤ مع الطبقة السياسية.

المرض والمال، اصبحا حديثنا اليومي ولا شيء سواهما. هاجس الهمّ الصحي والهمّ المعيشي يسيطر على عقولنا ويشل طاقاتنا.

قدّم عالم النفس ماسلو” منذ 1943 نظريته حول تطور الحاجات الانسانية وترابطها. وقد رتّب هذه الحاجات في سلًم هرمي. رغم ملاحظاتي وملاحظات آخرين حول هذه النظرية، اجد ان لها فائدة لفهم بعض ما يحصل معنا كلبنانيين.

تتلخص الحاجات عند ماسلو، من الاسفل الى الاعلى، وبالترتيب، في خمس حاجات: الحاجات الفيزيولوجية (الحاجة الى الاكل والشرب والنوم والتنفس والجنس)، حاجات الامان (الامن الجسدي، الصحي، الوظيفي، المالي، الاسري…)، الحاجات الاجتماعية (الحاجة الى العلاقات العاطفية، الاسرية، الصداقاتية،…)، الحاجة للتقدير من الذات ومن الآخرين، الحاجة لتحقيق الذات من طريق تعظيم القدرات الشخصية وتحقيق الانجازات.

بالنسبة إلى ماسلو، على الانسان ان يشبع مستوى من مستويات الحاجات قبل الانتقال الى مستوى آخر، وبالتدرج، اي من الاسفل الى الاعلى، اي من الحاجات الفيزيولوجية الى الحاجة الى تحقيق الذات.

لسنا بحاجة للكثير من النظريات المضادة، لنتلمس محدودية نظرية ماسلو. يكفي ان يحدق كل واحد منا في تجربته الخاصة، حتى يعرف انه يتنقل في الكثير من الاحيان وفي وقت واحد، بين مستويات عدة، صعودا ونزولا. حتى ان البعض وخصوصاً في حالات الشدة، يقفز الى مستوى آخر، لم يعطه ماسلو اهمية الا في نهاية حياته، الا وهو مستوى الحاجات الروحانية والدينية.

يبقى ان لنظرية ماسلو فائدة اكيدة، وهي اننا في فترات من الزمن، نرى انفسنا نركز طاقاتنا وهمنا على مستوى معين من المستويات الخمسة. ولا شك ان معظم اللبنانيين اليوم، يتخبطون بين المستويين الاول والثاني، ولو ان ايامهم لم تعد تخلو البتةمن الصلوات. هذا بالطبع لا يشكل فقط مصدر تعب وقلق لهم، بل ايضا يسخف ايامهم ويجعل حياتهم فاقدة للمعنى وخالية من الفرح والسعادة.

نعم، معظمنا اليوم ينتظر العدوى وينتظر شفقة المصرف.

كل واحد منا، نتيجة خوفه، يفضل الا تصيبه العدوى بل ان تصيب غيره، ولو انه في اعماق انسانيته لا يريد ان تصيب احدا.

من المرجو ان يكون من نتائج كورونا على حياتنا، هو تذكيرنا بأقوال من مثل “يسواني ما يسوى غيري” و”ما حدا احسن من حدا”.

كان من الافضل بالطبع ان نفكر ي هذه الاقوال، قبل ذلك، بهدف تعميم الخير والحقوق والثروة.

لكن لا بأس، فلنبدأ اولا بالشعور بالمساواة كبشر في حالة ضعفنا، فلربما نطبق المساواة عندما نصبح اقوياء أيضا.

في الواقع، بعضنا لم يستسلم بعد. لا للخوف من كورونا ولا لذل العوز ولا لتزايد انتقامات السلطة وكيديتها. ولا يزال نبض الانتفاضة حيا، رغم تقطعاته وعدم انتظامه، مؤشراً، كما نبض القلب المتقطع وغير المنتظم، الى مقاومة التعب والضغط والقلق.

لا. لن ندع هذه السلطة الفاجرة، تقذف بنا الى قعر سلًم الحاجات الانسانية.

فلنستذكر فترة ما قبل 17 تشرين، عندما كنا نشعر بالاحباط، مستسلمين لقدرنا، في انتظار الانهيار الذي كان يبدو محتوما. لم نكن بعيدين من المستويين الاول والثاني من سلم الحاجات عند ماسلو. لكن الحاجات لم تكن بعد بهذه الحدة. وكان لا يزال لدينا القدرة على التسلق الى المستويات الاعلى، لإشباع حاجاتنا الانسانية المختلفة.

لم تكن الزيادة المالية على استخدام خدمة الواتساب هي التي جعلتنا ننتفض وقتها، بل محاولة الحد من امكان التواصل في ما بيننا، ولو من بعيد.

ما يجري اليوم اخطر بكثير. انها محاولة لقطع التواصل الانساني كليا في ما بيننا. اما خوفا من العدوى، وإما بسبب عدم قدرتنا على تحمل تكاليف الانتقال والانفاق في لقاءاتنا.

اقول “محاولة”، لانه صحيح ان سلطتنا لم تأت هي بالفيروس، لكنها سهلت انتشاره بغية المساهمة في تفريقنا. كذلك ان شحّ الاموال من المصارف لم يكن اساسا بهدف تطويعنا بل سرقتنا، لكنه ادى ايضا الى لجم اندفاعتنا في اتجاه الضغط على السلطة، واصبحنا نتسول فرديا على ابواب المصارف.

عزلُنا بعضنا عن بعض، لاسباب صحية او معيشية، اخطر بأشواط من وضع العقبات المالية امام تواصلنا على الواتساب.

انهم يمسّون باهم احتياجاتنا، الاحتياجات العاطفية، التي وضعها ماسلو مخطئاً، في المرتبة الثالثة من حيث درجة الالحاح، مع ان لا قدرة للانسان بطبيعته الاجتماعية، ان يشبع ايا من الاحتياجات الاخرى، بدون السند العاطفي.

فلندافع بشراسة عن هذا السند العاطفي، الذي هو في خلفية كل نضالاتنا المعيشية والسياسية، التى لا معنى لها بدونه. ولنتذكر اننا قبل ان ننتفض في 17 تشرين، لم نكن نعلم ان في داخلنا هذه الطاقة وهذا التعلق بالحياة الحرة الكريمة.

اضف رد