الرئيسية / home slide / لم يبق سوى رحمتك

لم يبق سوى رحمتك

الليرة التركية

“تلوم علينا إزاي يا سيدنا

وخير بلادنا ما هوش بايدنا”

سيد درويش

كتب المفكر سعد الدين ابرهيم في “المصري اليوم”، الاسبوع الماضي، عن رحلة من القاهرة الى منتجعات مصر. الجونة والغردقة والساحل الشمالي. ما هو القاسم المشترك؟ هنا، إلى جانب الطريق، ربوة تكاد تشبه ربى لبنان. هنا شاطئ في جمال شطآن لبنان. هنا شيء يشبه جمال الجبل في لبنان.

خلال السنين الماضية اختلفتُ واتفقتُ واعتذرتُ من صاحب مؤسسة “ابن خلدون”، مرات كثيرة. ووقفت معه كلياً يوم أدخله حسني مبارك السجن، بما لا يليق به، أو بالرئيس مبارك، أو بمصر. والرئيس مبارك كان أقل رئيس يرسل المفكرين والصحافيين الى السجون. فقد ملأها عبد الناصر، وحشاها أنور السادات. الأول وضع مصطفى أمين في ليمان طره، والثاني ارسل إليه محمد حسنين هيكل، واسراباً من ألق الصحافة والنهضة وروح مصر. وفي جميع الحالات كان المتهمون أكثر براءة من القضاء، الخائف من غضبة فرعون.

كان عبد الناصر الأكثر مسؤولية، لأن من المفترض ألا يخاف أو يخشى أحداً. والسادات كان يخاف منافسة هيكل في أيام عبد الناصر، وخافها أكثر بعد وفاته. مبارك كان الأكثر تسامحاً، لكنه لم ينج من ذبابة القلق والأرق وهواجس الحاكم العربي. فكل من فكّر بالترشح، دفع ثمناً ما. الدكتور ابراهيم، استاذ زوجة مبارك ونجله علاء في الجامعة، لم يشفع به الفضل التعليمي في لحظة الغيرة.

قدمت بذلك، لمن لا يملك من قراء “النهار” فكرة كافية عن الكاتب. فالمعروف عن المصريين أنهم لا يساوون، أو يقارنون أي بلد ببلدهم. ومصر ليست بنت الأرض، بل أم الدنيا. ومن بين بلاد العالم التي طوّعها الاسكندر، لم يقرر بناء مدينة تحمل اسمه إلا الاسكندرية، التي غنينا لاحقاً لبناتها: يا بنات اسكندرية عشقكم حرام.

ومع ذلك، يضعف المصريون أمام لبنان. ويؤنثونه تحبباً. وكان شوقي يأتيه ليكتب أجمل الشعر، ويأتيه عبد الوهاب ليكتب أشجى النغم. قرأت سعد الدين ابراهيم وأنا أنتظر أول رحلة مغادرة، ولا أعتقد أن أي مخلوق قادر على السفر ليس مثلي في الانتظار. مرة أخرى يصبح هذا البلد الخلاّب الساحر، خوفاً وقلقاً، ألم يكن اهم شيء في بيان بعبدا “السلم الاهلي” نصاً وتلاوةً؟ لكن رئيس السرايا حاول ان يطمئننا فاتجه فوراً إلى طريق الحرير واحلام ماركو بولو، ورفع على درج السرايا لافتة الترياق من العراق. عبقريات الحلول السريعة وإحياء العظام وهي رميم.

أليست هي مجرد “ثغرة مالية” كما شرحها للأمة وصيها؟ “ثغرة مالية” تجوِّع الناس وتذلهم، وتطلق عليهم الرصاص في الحمراء، وتغلق مدارس ابنائهم، وتذكرهم بسفر برلك؟

أيها السادة أصحاب المعالي: عندما قال العسكر والاستراتيجيون الألمان “اتجه شرقاً”، كانوا يقصدون بالشرق أرض الثروات والنفط. وحاول اروين رومل، اهم جنرالات هتلر، عبور السويس الى الشرق النفطي. لكن بريطانيا العارفة بمكامن الصحراء، ارسلت في اثره ثلاثة من كبار جنرالاتها: ويفل واوكلينكس ومونتغومري، فأغرقوا دباباته “البانزر” الساحقة في رمال طبرق والعلمين. وظلت جملة

DRANG NACH OSTEN في الالمانية جملة شاعرية، لا أكثر. احياناً تعني الشرق السلافي القريب، وأحياناً احلام هتلر بخط الحجاز من بغداد الى برلين.

شارل حلو كان يصر على ان شرقنا هو “الشرق الادنى”، لأنه يضم أصحاب الجذور، أما “الشرق الأوسط” وفق تسمية بعض العسكريين الاميركيين لاحقاً، فمصطلح فضفاض يحملنا الى أماكن بعيدة، مثل كراتشي أو كالكوتا. وهذا جيد في باب المساحات، أما في باب الوقائع، فيجعلنا ننضم الى الملايين الذين يولدون ويعيشون ويموتون في العراء، أو في مساكن مرتجلة بلا خلاء. اللهم رحمتك.

نفضل البقاء هنا، في شرق، أدنى الى الحضارات الكبرى، وفي نظام حياتي عمره مائة عام، كنا خلاله شركاء مع دول الازدهار والحريات. لقد اعطتنا فرنسا أول دولة مدنية في هذا الشرق، لها دستور بلا طائفية، وفيه كل طوائف الأرض. نحن مسخنا عطايا النظام الذي اُعطي لنا. نحن عرضنا الجمهورية للإيجار. ونحن سلمناها للهواة في لحظة الحقيقة. لقد اخترنا التزلم بدل الكفاءة. والعابرين لتمرير الأيام، فكان ان مرت الأيام عابرة وخالية. وبدل ان يختار النظام كباراً يكبر بهم وتكبر بهم البلاد، نصحوه بفئة من العاديين والبلداء، تُحشى بهم دوائر الدولة. الفائضة أصلاً بتنابل السلطان.

نشعر هذه الأيام بالخجل من كتّاب مصر وتونس والخليج، الذين يحزنون على خراب لبنان. كل واحد منهم كان يرى فيه امتداداً لبلده. بلد المذاق والجمال. الفكر والفنون. بقعة صغيرة من اليابسة والمياه، تجمعت لها منذ التاريخ، صور وصيدا وبعلبك وروما، وسوَّرتها الجبال كأنما في لهفة عليها.

يُشعرنا بالخجل الكتّاب العرب وهم يعطفون على لبنان أكثر منا. البعض يشبِّهنا بالاندلس، عز العرب ومناحتهم. وما اكثر التشبيهات والمتاحات في أمتنا. وليس لنا سوى أن نغرد مع وليد جنبلاط في الماضي بحثاً عن العزاء المفقود.

يذكّرنا وليد جنبلاط بالأمير عبد القادر الجزائري، الذي حوّل منزله في دمشق الى ملجأ للمسيحيين. الآن يتولى الدفاع عن حقوقهم لجان التوظيف والادارات العامة، والدستور الذي صيغ من أجل بقائهم، تحول من روح الى مصارعة. وماذا بقي لكي يستحق الدستور هو أيضاً صراع البقاء؟

وضع الدستور من اجل دولة قابلة للبقاء يتوجها دستور ويعززها ميثاق وطني. فماذا بقي؟ في الساعة نفسها التي يعلن سليمان هارون، بكل كرامة وخوف، ان المستشفيات سوف تغلق بعد اسبوعين، تلصق الحكومة على جدار العبث واللاحياء، لائحة اصحاب الكهرباء وذويهم ومنتفعيهم.

توضع الدساتير للممالك والجمهوريات التي لها أهل يسألون عنها. والدول الحقيقية نسيت أصلاً ان لها دساتير. لأن الدول التي لا تزال تختلف على تفسير البنود، هي دول خنادق متربصة، سيئة النيات وتعاني عقدة نقص وثقة في الأحقية.

لم يبقَ لبيزنطيا سوى أن تعرف جنس الملائكة. أو بالأحرى، تتأكد منه. فما هو الفرق إذا كانت النتيجة هي هذه: شعب يموت بجميع الوسائل المتاحة، وحكومة تقدم عرضاً راقصاً للكهرباء على العتم وضوء الشموع المتلاشية؟

لم يبقَ تحقير إلا وحُقِّر به هذا البلد المظلوم. الآن تغلق مستشفياته وصيدلياته، وتجف سدوده وتنحط فيه جميع مستويات المعيشة، وتهان كرامات موظفيه وجيشه ومتقاعديه في مداخيلهم، يتكاسر الفقر على الفقراء وتقفر المدارس، وتهدد الجامعات، ولم يبقَ إلا ان نعرف ماذا يقول الدستور.

وفي العام 2020 أصبح للبنانيين بواخر وهيئة ناظمة وسلعاتا والفيول في الطريق، مع شحنات خاصة بالليرة التركية. اللهم هبنا من لدنك رحمة.

Twitter: @samir_n_atallah