الرئيسية / home slide / لميعة عباس عمارة.. وداعاً: لمعة الشعر التي أضاءت بخفّةٍ ماء الرافدين

لميعة عباس عمارة.. وداعاً: لمعة الشعر التي أضاءت بخفّةٍ ماء الرافدين

 عبداللطيف الوراري
القدس العربي
19062021

عن عمر يناهز الـ92 عاماً توفيت الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة صباح اليوم الجمعة في مغتربها الأمريكي بمدينة ساندييغو على الساحل الغربي للولايات المتحدة، بعد أن تدهورت حالتها الصحية. وقد نعاها ابنها زكي على صفحته: “ببالغ الأسف والأسى أنبئكم بوفاة والدتي الشاعرة لميعة عباس عمارة.. خسارة لكلّ من عرفها من العراق وكل الدول العربية والعالم… الذين أحبّتهم وأحبُّوها. ستبقى ذكراها في وجدان كل من عرفها شخصيا، أو عبر أشعارها ودراساتها الكثيرة. هي التي بذرت فينا مخافة الله، ومحبة الناس، واحترام كلّ خلقه”. وأردف في رسالة نعيه أنّ والدته الشاعرة قد عانت في الأشهر الأخيرة، ولم تكن تأكل أو تشرب أي شيء، ولكن ظلّت في كامل قواها العقلية، وكانت تستقبل من يأتي إليها من الناس بابتسامة جميلة”.

أنوثة قوية

    ولدت لميعة عباس عمارة لعائلة عريقة ومشهورة في بغداد سنة 1929، وجاء لقبها من مدينة العمارة التي ينحدر منها أبوها، وهي مدينة جنوبية غارقة في لجة التاريخ والميثولوجيا، حيث عُرفت بتراثها المندائي، وأثرت كثيراً على شخصية لميعة وثقافتها الأكاديمية: “لا أعرف لي منشأ غير الطين الرافديني في جنوب العراق.. ولا أعرف لي اصلاً غير الجذور السومرية”. وبالرغم من نسبها الجنوبي إلا أنها تبغددت، ومارست حياتها المترفة كما يليق بأنثى جميلة كانت تميل إلى الدعة والانبساط، وكانت تخلب عقول الطلبة أثناء دراستها في دار المعلمين، ولكن كانت مع ذلك تتمتع بشخصية قوية متأبّية كما ورد عن ابن خالتها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في مذكراته.

لميعة والسياب

  أخذت لميعة الثانوية العامة في بغداد، ودرست في دار المعلمين العالية – فرع اللغة العربية حيث حصلت على الإجازة سنة 1950، ثُمّ تخرجت في هذه الدار سنة 1955. وفي هذه الدار التي كانت معقل آباء الحداثة الشعرية الأولى وشهدت ميلاد حركة الشعر الحر، التقت لميعة شعراء العراق البارزين، بمن فيهم بدر شاكر السياب الذي تعرّفت عليه، بل إنّ بدرًا كلف بها وكتب عنها أشهر قصائده؛ (أنشودة المطر) التي مطلعها: “عيناك غابتا نخيل ساعة السحر/ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر.

   ظلّ اسم لميعة مقترناً ببدر، وكان مثل هذا الأمر يطاردها ويضايقها كشبح لأنّه يلغيها. ولكن في المقابل، ظلّتْ تعترف بهذه العلاقة التي لم تكن عادية، بل كانت قصة حُبّ وليد، ومصدر إلهام حقيقي بالنسبة إلى السياب الذي كان “يبحث عن القلب الذي يخفق بحبه، دون أن يجده” على حدّ تعبير إحسان عباس.

  تحكي لميعة إلى الروائية العراقية إنعام كجه جي: “من الأكيد أنني كنت أحبّه، وقد كتبت له شعرا، وتأثرت كثيرا بصداقتنا التي لم تكن أكثر من علاقة بريئة ومحلقة ومبدعة. وهي قد كانت فترة غنية جدا في حياة بدر، توقفت تقريبا فيها عن كتابة الشعر، طيلة الفترة التي عرفته فيها، وكنت مكتفية بدور الملهم والمستمع والناقد والرفيق والصديق. كنت الأم والحبيبة، فكان إنتاجي قليلا وإنتاجه غزيرا. وكنت سعيدة بصداقته وراضية. لكنه كان شكوكا لا يثق في النساء ولم يصدق أنني أبادله مشاعره. وأنا لست مطالبة بأن أقسم له بالأيمان الغليظة أني أحبه. فقد كان لي غروري وكبريائي وثقتي بنفسي والدلال المعروف عن العراقية، المرأة التي يلهث وراءها الرجل فلا تبدي مكنون ضمير وتبقى المترفعة. ولعله تصور أنني أحب الشاعر فيه فحسب، وأنا أحببته كإنسان. وكنت أستمتع برفقته وبالنكتة التي كان يطلقها وبالذكاء اللماح الذي يلتقط به كلماتي وبالتفاهم العظيم بيننا. كنا نستخدم لغة خاصة في الحديث، مختصرة وعميقة وجد صادقة. وكان ما بيننا لعبة أذكياء وتواطؤ موهوبين. إنها فترة من أثرى فترات حياتي العاطفية، بقينا سنتين معا، وأثناءهما كنا نتراسل، وقد دعاني لزيارته في قريته جيكور ولبيت الدعوة بصحبة خالي عبد الرزاق جودت، وبقينا ضيوفا في بيتهم ليلة واحدة، وقمنا بجولة نهرية كان خلالها يقرأ لنا الشعر”.

   وقد بقيت لميعة بعد مماته تذكره بخير وتعلي من قدره. في أحد الحوارات، قالـت: “لقد كان بدر إنسانا عظيما، وأنا آسفة لأنني لم أستطع أن ألبّي طلبه بالارتباط لأنني كنت حريصة لأن أبقى شخصية مستقلة، فارتباط شاعر بشاعرة يلغيها.

 ولكن الأكثر طرافةً أنّ من يعُدْ إلى دواوين السياب ولميعة عليه أن يكتشف أصداء الحوار الخفيّ الذي كان بينهما، والذي ظلّ يتردد في هذا السطر أو ذاك، وسيظلُّ إلى الأبد.

صوت نسوي

   تفتّقتْ موهبتها الشعرية مبكّراً، وكانت ترسل قصائدها الأولى إلى الشاعر المهجري إيليا أبي ماضي صديق والدها، وكان إيليا يثني على موهبتها وينشر أول قصيدة لها في مجلّته (السمير) سنة 1944 وهي ما زالت بعدُ بنت أربعة عشر ربيعًا، وقال :“إن كان في العراق مثل هؤلاءِ الأطفال، فعلى أيّة نهضةٍ شعريّةٍ مُقبل العراق”.

  في الخمسينيات برز صوتها الشعري، ولم يُعرف داخل المشهد الشعري العراقي من أصواته النسائية سواها ونازك الملائكة وآمال الزهاوي. وعاصرت موجة الحداثة التي ميّزت هذا المشهد بأساليبه الفنية وتوجّهاته الأيديولوجية المتعارضة، وكانت تدافع من أجل حصّتها الخليقة بكل تقدير. وكانت طاقة لا تهدا، فقد شغلت عضوية الهيئة الإدارية لــ “اتحاد الأدباء في بغداد” خلال الأعوام 1963- 1975، وتولّتْ نائب الممثل الدائم للعراق في منظمة اليونسكو في باريس بين عامي 1973 و1975. وتركت وراءها تسع مجاميع شعرية تختزن تجاربها الثريّة في الحياة والكتابة، على الرغم من عماء النقد عنها وتجاهلها؛ مثل: الزاوية الخالية 1960، عودة الربيع 1963، أغانى عشتار 1969، يُسمّونه الحب 1972، لو أنبأني العرّاف 1980، والبعد الأخير 1988.

تقول في إحدى قصائدها كأنّها نبوءة لما حدث بعد كلّ تلك العقود الأربعة:

“لو أنبأني العرّاف

أنك يَوْماً ستكونُ حبيبي

لم أكتُبْ غزلاً في رجلٍ

خرساء أظلّ

لتظلَّ حبيبي

لو أنبأني العرّاف

أني سألامس وجه القمر العالي

لم ألعب بحصى الغدران

ولم أنظم من خرز آمالي

لو أنبأني العرّاف

أن حبيبي

سيكونُ أميراً فوق حصانٍ من ياقوت

شدَّتني الدنيا بجدائلها الشُّقْرِ

لم أحلُمْ أني سأموت

لو أنبأني العرّاف

أن حبيبي في الليلِ الثلجيِّ

سيأتيني بيديهِ الشّمْسْ

لم تجمُدْ رئتاي

ولم تكبُرْ في عينيَّ هموم الأمس

لو أنبأني العرّاف

إني سألاقيك بهذا التّيه

لَمْ أبكِ لشيءٍ في الدنيا

وجمعتُ دموعي

كلَّ الدّمْع

ليوم قد تهجرني فيه..”

عبداللطيف الوراري