الرئيسية / مقالات / لمن عبقُ الزهور والأنوف في الحَجر؟

لمن عبقُ الزهور والأنوف في الحَجر؟

 توفيق قريرة 
https://www.alquds.co.uk/
07042020

الزهور تركت لربيعها هذا العَام.. ستُقطف في هذا الربيع زهورٌ أقل فلِمَنْ عبْقُها والأنوفُ في الحجْرِ؟ سيجري الماء في الجداول حرا أكثر وسوف ينتصر السحاب على أمواج الضباب المنبعث من المصانع.. هذا كله بديع عند أحباء البيئة، ومن منا لا يحب البيئة؟ لكن ما قيمة الزهرة إن هي لم تُشم وما قيمة الماء إن لم تلامس عذوبتَه ساقٌ عاجية؟ هذا العام تعيش الطبيعة الخام دورتها بلا إزعاج، فالفراشة بلا كماشة صياد، والغزال بلا شراك، والنحلة تنتقل بلا عين تتسقط مسارها. تحتاج الطبيعة سلامتها لكنها تحتاج أيضا وسيطا بشريا ليفعل فيها.. ووسيطا لغويا ليقولها، ووسيطا فنيا ليرسمها بشكل أجمل.
الطبيعة حين تكون مُنْتَجا، وهي في الربيع مُنتَجٌ بديعٌ، تحتاج اللغة والفن كليهما لتُسوقَ نفسها، أن تسوق الطبيعة نفسها يعني أن تقول لمن هي معروضة عليهم أنا أفضل من صناعتكم. الطبيعة تنافس المصطنع، بعد أن فتنت الصناعة أهل هذا الكوكب، وباتوا يفكرون في هذه الفاتنة الخارجة من المصانع أكثر مما يفكرون في سحرها. لم تفقد الطبيعة فتنتها لكنها فقدت جاذبيتها الأولى. صار البشر ينجذبون إلى الصناعات، أكثر عذرهم أن الطبيعة تحرق جلودهم شمسا والمصانع تكيفها؛ والطبيعة تهدم في ثورتها بيوتهم وقصورهم، والآلات تعيد بناءها، خلقوا في الطبيعة بلا أجنحة وجعلتهم الصناعة يطيرون؛ أرادتهم الطبيعة أن يحاصروا في الأرض فحملتهم الصناعة إلى كواكب أخرى. وفي كلمة لم تعد الحياة تحلو للطبيعة لأنها لم تعد وحدها..
كان الفكر القديم يضع الطبيعة في صف الآلهة فكان ذلك يقوي قدريتها لقوة قدرية الآلهة. اليوم صارت الطبيعة وحدها تصارع الصناعة التي تصنع السعادة، وتهم أن تخلق طبيعة موازية أو طبيعة مضادة. تبقى اللغة في هذا الصراع منحازة إلى الطبيعة، أو بعبارة دقيقة لتشومسكي Chomsky فإن «اللغة والظواهر المشابهة لها هي جزء من عناصر الطبيعة»، مثلما أكد ذلك في مقال له عنوانه: «اللغة والطبيعة».
ليس التوجه الطبيعي لتحليل الظواهر اللغوية مقصدنا في هذا المقال البسيط، وإنما غرضنا الإشارة إلى أن للطبيعة – بما هي مقولة- حضورا في التفكير اللغوي، منذ القديم. بيد أن ما يعنينا في هذا السياق ليس الحديث عن الكيفية التي تحتاج بها اللغةُ الطبيعةَ لتنشأ أو لتتعولم، أو لكي تكون ملكة كونية خلفها نحو كوني، مثلما حدثنا عن ذلك تشومسكي؛ ما يشغلنا ههنا هو الحديث عن الكيفية التي بها تحتاج الطبيعة للغات البشرية، لكي تكون فاعلة ومؤثرة في الأكوان التي نبنيها باللغة.
لنعد إلى الربيع، فكلما ابتعدنا عنه أدركَنَا الشتاءُ، لنتأمل هذه الجملة فقد كسيت ألفاظا طبيعية تسوق للطبيعة، بما هي مسترسل يمتد بين زمن لطيف، وزمن قاس. هذه لغة تسوق لطبيعة على حساب طبيعة: تسوق للربيع على حساب الشتاء. من هذا التسويق بنينا تجربتنا مع الربيع، على أنه ألطف فصل وأبدع زمن تخلق فيه الأشياء وتنتعش فيه الحياة. الربيع فصل غير موجود مناخيا في أماكن كثيرة من العالم، لكنه موجود في القلوب الكثيرة، على أنه محمل الخيرات ومهد الحب ومنبت الأمل وحَبةُ الفضيلة.
لكن أن تكون وسط الربيع ولا تراه، فهذا شيء يمكن أن يفهم على أنه ضرب من فقدان البصر، أو من فقدان الحواس الحية، التي تجعلك تشعر بالجمال الذي يحمله هذا الفصل. سيكون الأمر أقرب إلى عمى الأزمنة. حتى تكون منغمسا في الطبيعة حاملا لغويا لكل عناصرها، يمكن أن ترى الأشياء بمنظارين لسانيين: المنظار الأول يعبر عنه تشومسكي في المقال السابق حين يقول: «بما أن البشر جزء من العالم الطبيعي، وليسوا كائنات خارقة للطبيعة، فإن للذكاء البشري نطاقه وحدوده وأن ما يحدده هو التصميم الأولي (للذهن)». والمنظار الثاني يقول لنا إن محدودية الذهن الطبيعية، جعلته يبحث من خلال الطبيعة نفسها على أن يتجاوز محدوديته، وذلك باستعارة التجارب المألوفة لفهم التجارب غير المألوفة؛ وبهذا بنى الذهن استعاريته طبيعيا بالإسقاط. عجيب هذا التحول للاستعارة، من كونها حديثا فنيا عن الأشياء بما فيها الطبيعة إلى اعتبارها طريقة في التفكير.

حجر الأجساد ليس إبعادها في المسافة وسجنها بعيدا بعضها عن بعض؛ حجرها الأكبر الذي ترسخ في هذه الأيام، وفي أركان المعمورة هو أن تجذب جسدك بعيدا عن جسد من تحب خوفا عليه.

يبدو حديثنا الأول عن حرمان الناس المحظورين في بيوتهم، جراء الفيروس من التمتع بالربيع وتفاصيله، بعيدا عن هذا التطويح الفكري؛ فلا علاقة ليد نلمس بها الزهرة، ولا لأنف نشم به عبقها، ولا لرِجْل مرمرية تمشي في ماء جار، بأذهاننا المدركة للطبيعة؛ وهي عن موضوع صلة اللغة بالطبيعة أبعد، بل هي أكثر بعدا عن موضوع استعارية الذهن. الحَجْر سوف يعيد الناس إلى تجاربهم القديمة، سوف يتعاملون مع الجمال لا على أنه شيء محسوس ملموس فعلا، بل على أنه شيء ممكن من خلال الخيال والذاكرة. الربيع الواقعي الذي أراه قريبا من بيتي أو أتخيله في المروج الأوروبية البعيدة هو ربيع يفيض على حسنا ونستوعبه، إن كنا فيه؛ فإن فُصلنا عنه استمتعنا به شيئا مرئيا في الذاكرة، أو في الفيديوهات والصور الموزعة هنا وهناك. هذه المحامل هي أيضا لغة تسوق للطبيعة، لكنها تسوقها بمنظار عَلامي لا لُغوي. اللغة هي التي تمكنك من الربط بين الربيع الطبيعي والربيع البشري، في محيطك البشري فصل ربيعي وجمال ربيعي وزهور وأريج وعطور يصنعها كيان بشري. الحجر يجعلك بعيدا عن هذا الربيع، حتى إن تمكنت من الوصول إليه فسيمنعك أن تقطفه. يترك الربيع البشري هذا العام جماله بدون قطف.. ستكتشف الشعوب درجة حرمانها من العيش عن قرب، إن كان في جبلة تلك الشعوب أن تحب قربها.. ووحـــدهم الفنانون سيشتاقون إلى جلسة أقرب مع لوحة بشرية بارعة الفتنة والجمال، لرسمها في الذهن أكثر ثم لاسترجاعها..
حجر الأجساد ليس إبعادها في المسافة وسجنها بعيدا بعضها عن بعض؛ حجرها الأكبر الذي ترسخ في هذه الأيام، وفي أركان المعمورة هو أن تجذب جسدك بعيدا عن جسد من تحب خوفا عليه. هكذا يدخل خطاب الأطباء والمعلنين والمشهرين الساهرين على السلامة، للفصل بين أجساد من تدانت أرواحهم وأدنوا أجسادهم. يقولون لك حافظ ببعدك على حياة من تحب. يعنون أنك إن اقتربت اقترب الخطر. الحياة تضمن ببعد الأجسام عن أن تتقارب. ستعود الأذهان للتصرف اعتمادا على مخزونها التصويري عن كائنات تعيش معها: أعجب شيء أن تقول لشخص يجاورك: أراك وأتخيلك. إن كنت لا تستطيع أن تقبل حبيبتك ولا أن تحضنها، كما كنت تفعل، فليس أمامك إلا أن تمارس الخيال من أجل سلامتها. ليس البعد هو الذي يصنع الموقف، ولكنه الحجر الذاتي على روحك الأمارة بالقرب. لن يطول الأمر أكثر، وإلا باتت المغامرة الغرامية بحجم الموت بالفيروس.. سيقول العاشق لمعشوقه: تعالَيْ أقبلْكِ وَلْنَمُتْ سويا بالفيروس اللعين.. سيحضنها وتحضنه ويحتضنان الفيروس ويسدل الستار بلا تصفيق جمهور.. سيكونان كأساف ونائلة فاجرين لا لأنهما تحابا في الحرم، بل لأنهما نشرا الموت. لن يطول عصر الفيروس أكثر وإلا لقرأنا عن ملاحم هؤلاء العشاق المنتحرين على شرفات مدن تشيطنهم ثم تلعنهم.
الحب الآثم يصل إلى أعلى مزاداته: المقامرة بالحياة.. إنه يعيد إنتاج المحظور الأول: إن كنت تريديني فاقطفني.. لكن إحذر فقد نغادر الجنة ملعونين.. كما الشيطان.. سنعود إلى مسألة عويص حلها: متى نعود إلى الجنة من غير أن يعود معنا شيطاننا؟ هذا السؤال ليس فلسفيا ولا دينيا هو سؤال له نسخة واقعية: متى نعود إلى البيت من غير أن يعلق بنا فيروسنا؟ وله نسخة فنية لا يفهمها إلا الشعراء الذين من الحجر يفرون وفي كل واد يهيمون هو: متى يعود الربيع ونراه؟

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

اضف رد