الرئيسية / أخبار الاقتصاد / لمحات ايجابية

لمحات ايجابية

مروان اسكندر
24 تشرين الثاني 2017 | 00:00

استقالة سعد الحريري دفعت كبار السياسيين الى مراجعة منهجية الحكم واختيار الاولويات المطلوبة بالفعل من اللبنانيين.

المؤتمر الذي انعقد قبل الاستقالة تحت عنوان “الطاقة” بمعناها الواسع، أي القدرة على الانجاز، حمل تسمية تتجاوز بكثير الاستهدافات التي اعلنت، والمهم التذكير بان العديد من الاستهدافات تبلورت الافكار في صددها من غير ان تلقى الاهتمام بالتنفيذ.

لا بد من المصارحة ان الانجازات التي تكرر كل يوم ليست انجازات بالتأكيد. فقانون الانتخاب الذي يفترض ان يفسح في التمثيل النسبي يعاني ما يسمى الصوت التفضيلي، واذا كان زعيم بمثل ثقافة وليد جنبلاط سياسياً ومعلوماتياً يقول إنه لم يفهم بعد ضرورة وتأثير الصوت التفضيلي، فنحن كذلك، أي غالبية المواطنين، لا نعلم الى أي مدى سيساعد قانون الانتخاب على تعديل الطاقم السياسي الذي لا يسير بالبلد قدمًا بل يحس المواطنون برغبة لدى السياسيين في ايقاف عقربي ساعة التغيير.

التمسك بما هو النظام التوازني القائم لا يمكن ان يؤدي الى تقدم على صعيد النمو ورعاية الحريات وعدالة القضاء، وسرعة بت الدعاوى القضائية التي هي من أهم مستلزمات تحقيق العدالة. فالعدالة المتأخرة لسنوات ليست عدالة والحكم على الشرتوني الذي وفر لعائلة بشير الجميل بعض العزاء كان في الامكان تنفيذه حينما كان سجينًا لفترة سبقت تحرير القوات السورية إياه.

ليس القصد من تقويم بعض المعطيات تعطيل تحديد مواقف لا بد من تبنيها اذا شئنا السير قدمًا، وحيث هنالك ذكاء لبناني فطري، لا شك في ان غالبية السياسيين، ومنهم المتقدمون في السن والادراك، يعلمون ان لبنان فقد جاذبيته للشباب المعطاء، وكل شاب وشابة ينعمان بمزايا فكرية وعلمية يرغبان في الابتعاد عن البلد. فأي مستقبل لبلد شبابه يتمنون هجرته لان القيمين عليه لا يزالون مرتهنين لممارسات الاقطاعية السياسية والمذهبية؟

الطاقة المتوافرة حاليًا للتغيير في لبنان، وهنالك شبان وشابات مميزون لا يزالون بيننا، لا تستطيع التغلب على تمسك السياسيين بمقاليد السياسات التوظيفية والمذهبية والتي لا تتصل باي شكل بما هو مرجو.

هنالك اختصاصيون في البيئة يطالبون بسياسات تحد من تلوث المياه وانجراف التربة الخصبة ونقاوة الانتاج الزراعي وخفض نسب التلوث المناخي، وهذا الفريق من اللبنانيين اطلق مبادرات للتعاون مع زملائه العرب آملاً ان تكون نزعة التحسين غالبة على المستوى الاقليمي. والواقع ان الاعتبارات البيئية لم تجد من يتبناها بفاعلية واستقلالية الا في أبو ظبي حيث هنالك مساع لاستثمار مشاريع الطاقة البديلة والمستدامة وخصوصاً الطاقة التي تنتج من الرياح والطاقة الشمسية. وخاضت أبو ظبي أيضًا مجال توفير الطاقة من المفاعلات النووية علمًا بان هذا التوجه انحسر امام مشاريع الطاقة المستدامة. وحينما ننظر الى أبو ظبي البلد المتمتع بالنفط والغاز والذي لديه صندوق سيادي تكفي ادارته لسد حاجات اهل البلد الاصليين، ربما نجد ما يشجعنا على مماثلة تجربته الطاقوية، ونستطيع حينئذٍ التفكير في اننا نتوجه نحو الخيارات الافضل.

حتى تاريخه لا تبدو خياراتنا، وخيارات مسؤولينا، معاصرة فلو كنا معاصرين حقًا، لركزت قبل الدولة والقطاع الخاص عندنا على الطاقة المستدامة، وعلى مشاريع معالجة النفايات والحدّ من أزمة السير واختناق الطرق والمسارب الى بيروت. ولو كنا معاصرين لادركنا ان اختناق بيروت بالابنية ومعالجة شؤون السير، وكثافة التلوث، كلها أمور سوف تنتقص من الرغبة في العيش في العاصمة، والمشاركة في جوانب حياتها التي كانت غنية واستثنائية، وقد اصبحت رتيبة مع كثير من الاحتفالات والاعلانات غير المقنعة في المحتوى والابحاث والالتزامات. انخفاض الرغبة في العيش في بيروت ينتقص من اسعار الابنية والشقق على الاقل بنسبة 25 في المئة تبلغ قيمتها الاجمالية عشرات المليارات من الدولارات.

نسمع عن انجاز ارقام الموازنة، واعتبر رئيس لجنة المال والموازنة ان هذا الانجاز حقًا مدعاة للفخر، وهو كان قد أمضى أربعة اشهر مع زملائه يناقش امكانات خفض النفقات من اجل حصر العجز دون نسبة 9 في المئة من الدخل القومي، وانتهت جهوده مع لجنته باقرار خفوضات توازي 130 مليار ل.ل أي أقل من 9 في المئة من الرقم الذي شاء ورفاقه زفه الى البنانيين قبل انجاز ارقام الموازنة.

اذا شئنا ان نكون صادقين مع أنفسنا ومع المواطنين، لا بد من القول إن الموازنة مع استمرار العجز وبعد اضافة موارد الضرائب والرسوم (وزيادات الرسوم أعلى بكثير من الضرائب) توفر البرهان على عجز هذا المجلس وهذه اللجنة عن ابتكار حلول ناجعة تسمح بتوقع تحسن فرص النمو.

لا بد من التذكير بان رئيس لجنة المال والموازنة وضع كتابًا منذ سنوات سماه “الابراء المستحيل” وقد حاول فيه القاء اللوم الاساسي على حكومات الحريري والسنيورة في تفاقم العجز واطلق تهمة هدر 11 مليار دولار، يفترض ان تظهر عملية قطع الحساب المنتظرة خلال سنة – واللجنة المعنية لم تتمكن من خفض العجز المتوقع بعد جلسات استمرت أربعة اشهر في موازنة 2017 إلّا مبلغ 130 مليار ل.ل بالكاد يساوي 1 في المئة من ارقام الموازنة.

كذلك كتاب “الابراء المستحيل” تجاوز التطرق الى العجز الناتج في السنوات التي راجع ارقامها، الى عجز الكهرباء، وكان وزراء الطاقة من فريقه وفريق “حزب الله”، علمًا بان محمد فنيش كان افضل وزراء الطاقة خلال تلك الفترة، وعدم النظر في عجز الكهرباء في كتاب عنوانه “الابراء المستحيل” يعني ان النائب المعني، رئيس لجنة المال والموازنة، استحال عليه استكشاف مواطن الخلل وضرورات التحسين ما دام منظاره لا يطاول زملاءه في فريقه السياسي. ولا بد من تذكير النائب بان عجز الكهرباء اضافة الى مستحقات الفائدة على التحويلات لمصلحة الكهرباء يبلغ بين 2005 و2017 اكثر من 27 مليار دولار.

اللبنانيون ينتظرون جهودًا أكثر جدية مما عرض في مؤتمر الطاقة، وهم يدركون ان ثمة دراسات قطاعية مفروض عرضها في مجال تكاملها مع الاستهدافات الحقيقية التي هي استعادة المناخ الصحي، زيادة الانتاجية، تحقيق نمو بمعدل 5-6 في المئة سنويًا، تطوير النظام التعليمي، تحفيز وحماية الصناعة، الاستفادة من برامج دعم مبادرات المعلوماتية، استعادة العلاقات مع دول الخليج العربية منها وايران على اسس منطقية وحضارية تعكس توقعات العقود المقبلة حتى 2050، ونحن لم نمارس عملاً كهذا سابقًا.

اضف رد