لماذا يتمسك “الحزب” بالحريري ولماذا يحمِّل العهد نفسه تبعة الانهيار؟

في عشاء ضم مجموعة من الصحافيين الى مائدة الوزير جبران باسيل منتصف تشرين الثاني الماضي، سألت فيه “النهار” وزير الخارجية والمغتربين عن خطة العهد او رؤيته لمواجهة اي انهيار مالي او اقتصادي سيكون وشيكا اذا استمر التراجع في المؤشرات الاقتصادية، وستُلقى تبعاته في وجه العهد، فكان جوابه ان العهد لا يتحمل مسؤولية ما سينتج من السياسات المالية والاقتصادية المتّبعة، بل القيّمون عليها، مستبعداً ان تبلغ الامور هذا الحد، واضعاً التحذيرات المتكررة من مخاطر الانهيار في خانة استهداف العهد.

لم يكتمل عقد العام منذ تشرين الثاني 2018، حتى تحولت التحذيرات الى واقع كارثي يرزح تحت ثقله اللبنانيون، كما الاقتصاد بمختلف قطاعاته المنتجة.

ومع استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري تحت وطأة الشارع، أُلقيت كرة النار في الملعب الأمامي لقصر بعبدا على خلفيتين: الاولى سياسية ناجمة عن تريث رئيس الجمهورية في الدعوة الى اجراء الاستشارات النيابية، محملاً نفسه مسؤولية التأخير في التأليف، ورافعاً مسؤولية التعطيل عن كاهل الرئيس المكلف الذي يفترض ان تتم تسميته بفعل تلك الاستشارات، ليتحمل، بموجب صلاحياته الدستورية تلك المسؤولية، فضلاً عن مسؤولية ادارة شؤون البلاد في الظروف الاستثنائية والطارئة التي تمر بها راهناً.

الخلفية الثانية اقتصادية – مالية – اجتماعية بامتياز. وهي ترتب مسؤولية قصوى على رئيس البلاد الذي أخذ على عاتقه منذ اجتماع بعبدا المالي الاول (الذي غاب عنه رئيس الحكومة)، الى الاجتماع الثاني قبل يومين، وما بين الاجتماعين اكثر من ثلاثة أسابيع، مسؤولية ادارة الازمة الاقتصادية والمالية، علماً ان الاجتماعين شكّلا استفاقة متأخرة على ازمة تستفحل وطأة، في ظل ادارة سياسية مخيبة لا ترقى الى حجم الازمة وخطورتها. ذلك ان الاجراءات التي تم التوافق عليها في اجتماع بعبدا الثاني تتطلب تطبيقا فوريا، لا يبدو واضح المعالم بعد غياب، وان يترافق مع قوانين جديدة على المجلس النيابي ان يسنّها.

وأسوأ الامور انه كلما تعطلت المشاورات السياسية لتأليف الحكومة، وأفضت الى مزيد من الانتظار، تسارعت الخطى اقتصاديا وماليا نحو الإعلان الرسمي للانهيار الذي اكتملت كل عناصره على ارض الواقع وعلى دفاتر المؤسسات المصرفية والصناعية والتجارية والسياحية وغيرها، كما على دفاتر الدولة وقيودها.

على المقلب السياسي الموازي، ليس ما يبرر استمرار تعطيل الاستشارات النيابية، حتى لو كانت الذريعة الضغط من اجل التأليف قبل التكليف لتلافي الاسترسال والمماطلة بالتأليف.

فالشروط المتبادلة بين مهندسي الحكومة تعجيزية، ولا يمكن ان تفضي الى تركيبة حكومية ترضي الأفرقاء المتنازعين، من دون تقديم تنازلات لم ينضج أوانها بعد. لكن الاكيد ان الامور التي عادت الى المربع الاول، بعد حفلة حرق الأسماء والمرشحين التي شهدتها الأسابيع الأخيرة، من خارج اي طرح جدي وصادق، ما يعني ان الامور عادت الى اليوم الذي تلا استقالة الحريري، والبحث عاد الى الانطلاق من حكومة برئاسته، انطلاقا من استمرار تمسك “حزب الله” به على رأس الحكومة العتيدة. وللمراقبين تفسيرهم لهذا التمسك “الحزب إلهي” بالرئيس المستقيل قائم على أمرين محوريين وجوهريين في حسابات الحزب:

■ ان وجود الحريري على رأس السلطة التنفيذية ضروري من اجل تحمل مسؤولية الملفين المالي والاقتصادي، وإدارة الانهيار، واحتواء تبعات العقوبات الاميركية المتدرجة تصعيدا على الحزب، ومستقبلا على حلفائه.

■ وجود الحريري داخل السلطة عند صدور حكم المحكمة الدولية لتغطية الحزب وتحمل مسؤولية عدم تطبيقه.

وعليه، يستبعد الخبراء ان تشهد البلاد انفراجات قريبة على المستوى الحكومي، ما لم تنضج التسوية الدولية الجاري العمل عليها، وما لم يبلغ التضييق على الحزب، واستطرادا على لبنان بكل مكوناته، سقفه الأقصى!

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*