الرئيسية / home slide / لماذا نناقش في الدين؟ لأنه سلطة حاكمة!

لماذا نناقش في الدين؟ لأنه سلطة حاكمة!

Alfadel Chalak/0/مقالات الفضل
الفضل شلق

نناقش أنفسنا. نتساءل عن حاضرنا. هل نحن منتصرون أو مهزومون. البعض يقول نعم والبعض يقول لا. لا نعرف عما نقول نعم ولا نعرف عما نقول لا. تختلط الأمور. مهزومون في معركة الحضارة. نريد العيش في الماضي. مهزومون في الثقافة؛ لا ننتج الكثير من الأفكار. مثلنا الأعلى الفتوحات. صنعوها دون حلفاء. نريد حلفاء لا نستغني عنهم. هم يحمونا. يعوضون عن ضعفنا. لماذا الضعف؟ الخواء ينخر دماغنا. نستورد كل شيء. حتى الماضي القريب كنا نصدّر ما يتعلق بالصناعة والزراعة. لم يعد الأمر كذلك. لا نستطيع أن نأكل دون أن نستورد الغذاء. نمول استيراده بأموال النفط. النفط ليس من صنعنا. وجد عندنا بصدفة تاريخية. قريبا سوف نستورد الماء. أرضنا قاحلة. نكثر من معامل تحلية ماء البحر. معظم أرضنا ستبقى قاحلة. معظم أدمغتنا فارغة. وجودنا يعتمد على الغير. لدينا استكبار مصدره الدونية. نخضع للتهديدات. نفاوض الغير على ما في أرضنا. يقرر عنا ماذا نفعل بما لدينا. قضيتنا فلسطين. ليست الأمة ما يشغل بالنا. جزء منها فلسطين. نُحرم من مناقشة مجتمعنا. لا نستطيع فهم قضاياه. سيطر عليه الدين. مسائل الحلال والحرام لها الأولوية. هي كل شيء. قال نبينا أنتم أعلم بشؤون دنياكم. لا نعلم الكثير عن هذا العالم. نستبطنه من كتب التراث. نتعلم مما في بطون الكتب لا من التجربة. لا نواجه الطبيعة لفهم قوانينها. ما في بطون الكتب يكفي.

عندما نقول أن المزاج العام، الرأي العام، ديني فإن معنى ذلك أن الدين يسيطر على المجتمع. الإسلام هو الحل كما يقول دعاة الإسلام السياسي. الدين هو المجتمع. كيف نستطيع النقاش في المجتمع دون النقاش في الدين. النقاش يستدعي الحوار والشك والتساؤل. ذلك يستدعي الاختلاف. ثقافتنا التاريخية الفقهية مليئة بكتب الخلاف والاختلاف. قليلاً ما كتب أسلافنا باسم الإسلام. قليلاً ما نرى كتاباً معاصراً إلا والإسلام في العنوان؛ عنوان الكتاب. ينطقون باسم الإسلام. بالأحرى يدعون ذلك. والإسلام بغنى عما يكتبون. الإسلام ليس واحداً. الله واحد. ما يحكى باسمه ليس واحدا. لا يجب أن يكون رأيا واحداً أو نظرية واحدة.

كل ما نستطيعه هو الاجتهاد. الاجتهاد فيه الخطأ والصواب. الصواب له عدة أوجه. أما قال الإمام علي القرآن حمال أوجه؟ ثم قال الشافعي “من أجتهد فأصاب فله أجران، ومن أخطأ له أجر واحد”؟ كل مجتهد مصيب. الدين السائد هو ذهنية الحلال والحرام من الخطأ والصواب. يعاقب من يرتكب حراماً. يقرر الحلال والحرام سدنة الهيكل. صادروا الدين. هم وحدهم الذين يعرفون ما أراده، وما يريده، الله. لا يميزون بين العقيدة والإيمان. الإيمان لا يزيد ولا ينقص. الإيمان مطلق. المطلق لا يخضع لمعايير الخطأ والصواب ولا الحلال والحرام. الإيمان ينبع من النفس. يصير طبيعة النفس. يصير معطى في ضميرنا. يقرر علاقة الفرد بالخالق. لا أحد يعلم ما في الصدور. حتى علماء النفس يعالجون بالتجربة. يخضعون النفس البشرية للتجربة؛ لمعايير الخطأ والصواب. هل يعترف سدنة الهيكل بعلم النفس؟ لندع الإيمان للروح، ولنفترض أن الروح غير النفس. وأن الإيمان يتعلّق بالروح. النفس هي ما يمكن مقاربتها.

صادر الدين المجتمع. لا نستطيع النفاذ الى المجتمع إلا من خلاله.  أغلق علينا باب التفكير في المجتمع. التفكير بالدين متروك لنخبة مصطفاة. عندها التفكير في أمور الدين وبالتالي المجتمع. أصبح علم الاجتماع مستهجناً أو مستبعداً. إذن، ماذا نفعل بشأن العلاقة بيننا وبين المجتمع؟ كيف نصير كائنات سياسية؟ كيف نصير فاعلين في مجتمعنا؟ أو فلنقل، كيف نشارك في قضايا مجتمعنا؟

الدين وسيلة لا غاية. الله هو الغاية. الصلة مع الله هي الإيمان. الدين عقائد وتفسيرات توصلنا الى الله أو لا تصلنا به. لا يستطيع الدين اعتبار ذلك وإلا فإن الطبقة التي تعمل بشأن تفسيره ونقله للناس عاطلة عن العمل. يفترض سدنة الهيكل أن الناس لا يفهمون. ويجب عليهم الإصغاء للمشايخ الذين نصبوا أنفسهم بين الانسان والله. إن الدين الصحيح لا يكون إلا إذا مر عبرهم. ألا يعلم هؤلاء أن الله لا يحتاج الى وسائط بينه وبيننا؟ وأن عزلتهم في دراسة النصوص تقطع الصلة بينهم وبين المجتمع. يصيرون أقل اهتماما بالمجتمع وعلومه. الله جعل الانسان خليفته في الأرض. فهل يرضى بأن يكون الناس المخلوقين أقل فهما؟ هناك فرق بين أن يكون الدين للجميع وبين أن يقبض عليه قلة من الاختصاصيين والخبراء. حينذاك لا تعني الديمقراطية شيئاً. في الديمقراطية جهاز أو أجهزة لتفسير القانون. لكن هؤلاء يختارهم الناس، أو يفترض ذلك. التحالف بين سدنة الهيكل وأنظمة الاستبداد يستند الى بنية ذهنية واحدة، بنية متعالية على الناس. ان لم نقل تحتقرهم. كل نظام استبدادي يضع أجهزة بينه وبين الناس. كل نظام استبدادي يهمه أن يعيد تشكيل وعي الناس حسب إرادة الطبقة الحاكمة أو زعيمها. الزعيم يعتبر أن كلامه منزل. هو أكثر من ذلك. يجري وراء معرفة ما في ضمير الناس؛ معرفة نواياهم.

الدين ضروري. لا مجتمع دون دين. على كل فرد أن يكون ذا دين. ماذا يمنع أن يترك الدين ليكون اختيارياً، فلا يُسجّل أحد على خانة هذا الدين أو ذاك، أو هذا المذهب أو ذاك، قبل أن يبلغ الفرد سن الرشد؟ الله لطف، يتناقض مع الاستبداد. الأرجح، بل بالتأكيد، أنه ينكره. بالطبع هناك التربية المنزلية. هذه ستدفع بهذا الاتجاه أو ذاك للتبني. لكن حق الاختيار يبقى حفاظاً على كرامة الأفراد. إذ تكون حرية اختيار الدين مصانة. حينها يصير الدين مدنياً. لا تكون الدولة مدنية إلا بدين، أو أديان مدنية. لم يكن الدين اختياريا إلا زمن النبي. لذلك كان الناس أيامه قدوة، أو صاروا قدوة. السلفية تنكر ذلك أو تتجاهله.

يبقى السؤال الكبير اياه: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟ هل تقدم الغرب إلا بعد ثورة دينية على سدنة الهيكل؟ سموه الإصلاح الديني. قامت بعدها الكنيسة الكاثوليكية بإصلاح مضاد. قاد الأمر الى حروب طاحنة بين الفريقين انتهت بصلح 1648. بعدها استمر صعود الغرب. صار هو الأقوى. الجمود الديني في مجتمعنا أدى الى ركود فكري جعلنا أضعف مما كنا عليه. حتى اسرائيل أقوى منا. الفرق في الأعداد مئة ضعف إذا قيست بالعرب؛ ومئات الأضعاف إذا قيست بالمجتمعات الإسلامية. صحيح أن بين يهودها أطياف من مذاهب شديدة التصلب دينياً. لكن اسرائيل نتاج غربي ثقافيا ومادياً. هي نتاج الطرف الأقوى. حتى الثورة الدينية الأوروبية جاءت بعد المطبعة. هذه جعلت طباعة الكتاب المقدس في متناول الجميع بعد أن كانت قراءته حكراً على رجال الدين. هل كان منع المطبعة في بلادنا أيام العثمانيين سبباً من أسباب تأخرنا؟

تقدم الغرب لأنه كسر الطوق. دينهم قبل ثورة الإصلاح الديني، والثورة المضادة، كان يضع العقل في خدمة الدين. عندنا ما زال العقل في خدمة الدين. كانوا مثلنا الآن؛ كانوا يستنبطون الواقع، الطبيعة، الحقائق، من بضع مقدمات يقدمها لهم المعتقد الديني. حتى قراءة الكتاب المقدس لم تكن متاحة للعامة قبل اختراع المطبعة الحديثة. بعد الثورة الدينية وضعوا الدين في خدمة العقل، وأزاحوا الدين جانباً. لم يلغوه. حددوا مهامه. صارت مهمته خدمة الإيمان وحسب. صار جزءاً من المجتمع. لم يعد المجتمع خاضعاً له. انكسرت سلطة الدين. لم يعد استبدادياً. فصل الدين عن الدولة هو في الأصل فصل الدين عن العقل. للدين مهام، للعقل مهام أخرى. ينظر العلم في الطبيعة والكون. في الأرض وفي السماء. منهجه تجريبي. يستخرج المبادىء العامة وقوانين الطبيعة باستقراء ما يكتشفه من وقائعها وحقائقها. لا يبدأ من حقيقة كلية يفترضها مسبقاً. يصل بالحقيقة بالنضال من أجلها داخل المختبر وخارجه. صار الكون كله مختبراً. ما يستخرجه من حقائق، استناداً الى وقائع، والى حقائق جزئية، يودعها أو يخزنها في العقل. يعيد التجربة ليكتشف أن ما اكتشفه سابقاً من حقائق هو حقائق نسبية. الحقيقة النهائية يصل إليها ولا يبدأ منها. يسعى إليها. ربما لا يصل. لكنه يسعى إليها دائماً. السعي هو أساس العمل والإنتاج؛ الإنتاج منحه قوة. القوة سيطر بها علينا. بالتجربة والخطأ يصل الى اكتشاف مبادىء جديدة. هذه تدله على حقائق لم تكن بالحسبان. أدرك العقل ضرورة أن يبقى مشككا بما يعرف. لا يطمئن الى نتائج (قوانين الطبيعة) ولو كان اكتشفها بشق النفس. بالتجربة والسعي يغوص الى أعماق الطبيعة تدريجياً، مرحلة بعد أخرى. أدرك أن الحقائق نسبية في الزمان والمكان، وصولاً الى دمج الزمان بالمكان، واعتباره بعدا رابعاً. مع اكتشاف الذريرات، عرفوا أنها تنقسم الى ما هو أصغر منها، وأن الأصغر ينقسم الى ما هو أصغر، لدرجة التلاشي أو العدم. صار العدم جزءاً من الوجود. لم يعد فراغاً. اندمج الوجود بالفراغ. مع اكتشاف الذريرات المتناهية في الصغر، دخلوا الى النفس وصار لها علم. علم النفس. فصلوا النفس عن الروح. الروح هي ما بين الإنسان والله. النفس تخضع للتجربة. صار الإنسان موضوعاً لذاته. العقل الذي كان متوجاً قبل القرن العشرين صار يخضع للشك والتساؤل.

تقدم الغرب لأن العقل نفسه انفتح. صار المجتمع نفسه منفتحاً على كل الاحتمالات. صار الجواب مفيداً بقدر ما يقود الى السؤال، والسؤال الى سؤال. من خطأ الى خطأ. طريق المعرفة تمر عبر الخطأ، مع غربلة الأخطاء للتخلص منها. كل ذلك بالتجربة في مجتمع مفتوح. تقدم الغرب في مختبرات التجربة. الوصول الى استنتاج يحتم الحكم عليه بالخطأ ما لم تثبت صحته في المختبر. المرء بريء حتى يدان. نظام قضائي يعكس ذلك. البرهان بالتجربة في الحالتين. اليقين غلبة الظن. الحكم في المحكمة لا يُعطى إلا عندما يصل القضاة أو من معهم الى دليل يقترب من غلبة الظن. وذلك بعد نقاش طويل.

تأخرنا نحن لأننا لم نفصل العلم عن الدين.  بقي الدين مسيطرا والعلم الحديث تحت جناحه. بالعكس سمينا الفقه علماً. ضممناه الى العلوم الحديثة دون طائل. في الحقيقة لم نهتم بالعلم الحديث المادي، الفيزيقي. اعتبرناه كفرا. البحث فيه غير مضمون النتائج. نظريات العلم غير تقنياته. نظريات تغيّر نظرتنا الى الكون والطبيعة والإنسان. دوران الشمس حول الأرض بقي في وعينا ولو خفياً. لأننا لم يكن لدينا حماس للعلم الحديث للإكتشاف للدخول في المجهول، خفنا من المجهول. لدينا الدين. بقدم لنا كل النتائج هذه من بطون الكتب القديمة. ما علينا إلا استنباطها. العلم الحديث نسف القديم. نسف بنية العقل القديمة. عقلنا هناك. بقي هناك. لكننا مضطرون للتكنولوجيا. تقنيات ناتجة عن العلم المادي الحديث. تقنيات تستخدم فيها معطيات ونظريات ومبادئ العلم الحديث. نشتري التقنية الحديثة، آلات وأسلحة. وتبقى مفاتيحها العلمية مفقلة علينا. نحن اخترنا إقفالها. حتى ماديا، ما اشتريناه من ماكينات وأسلحة بقي المفتاح لإدارتها وتسييرها بيد الغرب. لا نفهم مبادئها. بالتالي لا نعرف استخدامها وحسن إدارتها. بقيت المفاتيح النظرية (العلمية) لدى الغرب. عقل مستريح غير مغامر. يرفض الولوج في علم يقود الى نتائج حول الكون والطبيعة والخلق غير ما تعودنا على روايته. بقى عقل المجتمع مغلقاً. استفاد الاستبداد السياسي من ذلك. يريد مجتمعاً مغلقا لا يسأل ولا يتساءل. طفولة فكرية فلسفية علمية تفضّل الأوهام. أوهام الهزيمة التي تصوّر لنا الهزيمة نصراً. بالتكنولوجيا والعلم الحديث، تهزم اسرائيل مئات ملايين العرب والمسلمين. لنا الجنة. لهم الأرض. الله مع الصابرين. إذا انتصرنا في زواريب نعتبر ذلك فتحاً مبينا. لم نفصل الدين عن العلم الحديث. بقي الدين مسيطرا والعلم الحديث غائبا، والهزيمة تزيدنا ذلاً على ذل. إنا ندعي الصبر وهما وكذبا على أنفسنا. ندعي النصر حيث الهزيمة. ندور حول أنفسنا. نتغنى بأمجاد الماضي. الماضي معظمه هزائم. بؤس على بؤس. انغلاق مجتمع يدور حول نفسه. ندعي الصمود. الصمود دفاعي. الدفاع لا يحرر شيئاً، بما فيه فلسطين. لم يكن صدفة جعل فلسطين جوهر القضية العربية. جوهر القضية مجتمع مغلق. يرفض العلم لأسباب ثقافية. ليس لأن ثقافتنا الموروثة فيها عيب. لا عيب ولا تفوّق. هي معطى وحسب. حتى تاريخنا لا نستطيع النظر إليه بموضوعية منسلخة عن العواطف. السلفية السائدة في مجتمعنا العربي والإسلامي عامة هي من فعلنا نحن. ليست مؤامرة امبريالية. هي مجتمعنا الذي يرفض التقدم عن طريق العلم. مجتمع مبهور بالتكنولوجيا ورافض للعلم الحديث. عقل مدمّر. قلة المختبرات العلمية. الأنكى قلة مراكز التفكير العلمي. أوهامنا سحبناها على الغرب كي نبقى بعيدين عن حداثته وعلمه. عداؤنا للغرب ظاهره سياسي-اقتصادي، وباطنه رفض مطلق لثقافة الغرب. خوف من هذه الثقافة. خوف من المغامرة. خوف من المجهول. اكتشاف المجهول الذي تقود إليه ثقافة الغرب.

نناقش في الدين لأنه سلطة. سلطة على المجتمع. نناقش غيرة على المجتمع والدين. نناقش علّ ان يكون في ذلك جزء من الجواب على السؤال: لماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن. عنوان كتاب شكيب أرسلان الذي صدر منذ حوالي مئة عام.