لماذا نفتقد لخفة دم غسان كنفاني؟!

 إبراهيم نصر الله 
القدس العربي
17102019

باغتني سؤال مفاجئ وأنا أعيد قراءة كتاب (فارس فارس) الذي ضم مقالات غسان كنفاني التي حفلت بكثير من السخرية: لماذا نفتقد لخفة دم غسان كنفاني؟! فإذا كان البلاء والد السخرية فالبلية أمّها.
نحن نعيش بلاءً يفوق ما عاشه غسان كثيراً؛ كان غسان يعيش آثار النكبة والنكسة، ونحن عشنا بعده آثار تلّ الزعتر، والحرب الأهلية اللبنانية، وصبرا وشاتيلا، والخروج من بيروت، واحتلال الكويت، وتدمير العراق ومفاعله النووي، وسرقة أول ثورة حديثة كبرى: الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وعشنا زمن أوسلو، ووجود دولتين فلسطينيتين، واحتلال بغداد، وسرقة الثورة المصرية وتدمير ليبيا وسوريا واليمن، والسّعي الدؤوب لخداع الشعب الجزائري والسوداني، ووصول الصهيونية، بأعلامها ومجرميها، إلى كثير من قلوب العواصم العربية.
كل هذا! فما الذي ينقصنا كي نكون ساخرين؟!
من عناوين مقالات غسان في قراءته لبعض الكتب: (هذا الكتاب إشارة إلى وعي تافه)، أما الكتاب المقصود فعنوانه: « كل ما سبق وكُتب أعلاه يمكن الاستغناء عنه إذا حقق إشارة واحدة بسيطة إلى فعالية البداية من الصفر الواعي». ويكتب غسان مقالاً آخر عنوانه «رواية ذكية يمكن استخدامها أيضاً.. كرباجا»، و«بين المهضوم والغليظ ميزان اسمه: جحا»، «فن القصة وميكانيك الأسانسير»، و«القدس بين 3 مصائب: الاحتلال والتأليف والترجمة»، و«نادي المنتفعين باللغة العربية»، و«ملحمة المعزاية والذئب».
يكتب غسان عن الديوان ذي الاسم الطويل جداً، والذي لم يتجاوز طوله أيُّ عنوان في العربية، ربما: (ليس في الكتاب أكثر مما في عنوانه، إلا من حيث الكم، فالمؤلف رجل يريد أن يجعل من الجهل ميزة استثنائية، إنه فخور باللاوعي، وقد كتب كتابه كله على أساس أنه نفّذه من وراء ظهر العقل..) ويقتطف غسان من الديوان (يريد أن يبكي هكذا/ يريد أن يبكي/ يبكي أن يريد أن يبكي كي يبـ.. تصل نقطة دمع إلى العين القريبة من الفرشة حيث دفن رأسه مائلاً/ ثم تتمخط الدمعة وجعاً مرضياً بوليسياً رجلاً شهماً.. عيباً.) ويتساءل غسان: هل يوجد سكران أكثر من هذا ليقول هذا الهراء؟
ولو رجعنا إلى أم السخرية التي دعوناها البلية، وإلى والدها الذي دعوناه البلاء، لوجدنا أن فوضى الكتابة اليوم تفوق بكثير فوضاها أيام غسان، ربما كان يظهر في تلك الأيام ديوان لشاعر جديد كل ثلاثة أشهر، أما اليوم فيظهر ثلاثون ديواناً وثلاثون رواية في ثلاثة أيام، أما من ينقدون ويمنحون صفراً من خمسة، أو من عشرة، لروايات وأفلام حظيت بما يشبه العلامة الكاملة، فهم أكثر من الهمّ على القلب، وهؤلاء ينتمون إلى المدرسة العصفورية النقدية، ويحتاجون إلى علاج يرشدهم إلى أن الدماغ موجود في الرأس لا في الأقدام.
أكثر ما يدهشك ويطيِّر عقلك، أن يكتب ناقد رزين عن كل رواية تصدر أنها أفضل رواية كُتبت عن ذلك الوطن. كل رواية أعظم من سابقتها، لنكتشف في النهاية أن الحقيقة قائمة في أن رزانته تتحوّل دون أن يدري إلى رزالة!
ذات يوم، حين نشرتُ روايتي الأولى، صادفتُ أستاذاً جامعياً في حرم جامعة كبيرة، وقبل أن يصافحني قال لي: لقد سمعت أنك أصدرتَ رواية، أخشى أننا سنقسو عليك يا إبراهيم! فسألته: هل رأيتها؟ فأجاب: حتى الآن لا. فقلت: لعلك تراها فيعجبك غلافها فتخفّف من قسوتك عليّ!
مر زمن طويل على تلك الحادثة، إلى أن قرأت لأستاذ جامعي، يشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه، أنه لا يقبل ولا يقتنع بأي كتابة يكتبها الكاتب عن مكان لم يعش فيه، وعن زمان لم يكن فيه، وعن تجربة لم يعشها. ورغم أن ردوداً كثيرة كُتبت تفنّد أطروحته العبقرية هذه، إلا أنه مُصرّ على أن شكسبير ما كان عليه أن يكتب روميو وجولييت، لأنه لم يعش في فيرونا، وهاملت، لأنه لا يعرف الدنمارك، وأن الحرب والسلام رواية باطلة، لأن الحرب التي كتب عنها تولستوي وقعت قبل مولده، وأن أدب الخيال العلمي أدب باطل، فكيف يكتب كاتب عن المستقبل، وهو لم يعش إلا في الحاضر، وكيف يكتب كزانتزاكي عن موت زوربا وهو لم يجرب الموت؟ كيف يكتب عن الموت قبل أن يموت؟! وكيف يكتب آخر عن امرأة تلِد، والكاتب ذكر لم يلد، ولم يعرف آلام الطّلْق؟ وكيف يبكي لموت زوجة بطله بينما لم يزل الكاتب نفسه عازباً؟!
لكن هذا الناقد يصرّ على ذلك ويقاتل من أجل أطروحته، ولذا كان من الطبيعي أن تتطور هذه الأطروحة وتصل إلى مستوى أعلى من العمق، ونحن نقرأ له تعليقاً فذاً، تعليقاً على دراسة كتبها ناقد رصين لإحدى الروايات، وجاء في تعليقه: («لم أقرأ الرواية، لكن ما أخشاه أن يكون هذا اللون من الكتابة شبيهاً بالأدب الذي كان نتاجَ مبنىً ذهنيٍّ علوي افتقد إلى التجربة المعيشة للكاتب ومشاهداته، وأعني هنا أدب الواقعية الاشتراكية الذي كان تصوّراً ذهنياً للعالم يصدر عن أفكار بالدرجة الأولى. آمل أن أكون مخطئاً»).
وفي هذا، على الإنسان أن يحيّي هذا الناقد على دقته النقدية العلمية، القائمة على (التبصير)، وبالتالي تحليل الرواية قبل قراءتها!
الله لا يحرمنا منك!
نقول ذلك ونحن نستعيد سؤال غسان في حديثه عن ذلك الديوان: هل يوجد سكران أكثر من هذا ليقول هذا الهراء؟!
وبعد:
أجمل خبر قرأته مؤخراً يتعلق بتقاعد أحد الأساتذة، ورغم أن الكتابة العربية لن تسلم من عبقرية أطروحاته بعد تقاعده، إلا أنني أحسست برغبة شديدة لتهنئةٍ من القلب والروح لطلبته الناجين من عِلمه الوفير، لأنهم طلبة يُشفق المرء عليهم وعلى أسَرِهِم التي تدفع ما تحتها وما فوقها كي ترسل بناتها وأبناءها للجامعة التي (كان) فيها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*