لماذا نحترف التبديد


مروان اسكندر 

نيسان  21 2017
النهار

هنالك عدد قليل من النواب يقرأون التقارير الدولية عن أوضاع الاقتصاد اللبناني، ولا شك في ان قلة من هؤلاء تدرك أهمية اختيار مشاريع للتنفيذ تسهم في تنمية الاقتصاد وخفض اعباء المواطن العادي.

نعاني في لبنان منذ سنوات تآكل الانفاق الاستثماري، ذلك ان المناخ السياسي غير مشجع لاستثمار الاموال في مشاريع جديدة، ما عدا الاستثمار في انجاز الابنية. وقد واجه القطاع العقاري تخمة وتدنياً لاسعار العقارات، والاقبال على انجاز الابنية الجديدة في بيروت تناقص لان ازدحام السير، وندرة المياه وتوزيعها بواسطة شاحنات تعرقل انسياب السيارات العادية، فضلاً عن الحاجة الى شراء الكهرباء من المولدات الخاصة بكلفة بالغة الارتفاع، وتعثر خدمات الانترنت، وكل هذه السلبيات تدفع اللبنانيين بتدرج بطيء الى هجرة بيروت واحيانًا هجرة لبنان للتمتع بشروط حياة افضل. ويمكن القول إن الابنية التي انجزت في السنوات الخمس الاخيرة في بيروت الكبرى خسرت من قيمتها لا أقل من 10 مليارات دولار تماثل ما نطلبه من المساعدات من المجتمع الدولي لايواء النازحين وكفاية بعض حاجاتهم. وعلى رغم ان كلام النائب والوزير السابق ياسين جابر كان واقعيًا ومقنعًا في مؤتمر للمانحين برعاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن حديثاً، وعلى رغم ان الوزير السابق والاقتصادي البارز الدكتور جهاد ازعور اصبح المسؤول الاول في منطقة الشرق الادنى في صندوق النقد الدولي، وعلاقته برئيسة الصندوق ممتازة، يمكن التأكيد اننا لن نحظى بالمساعدات على المستوى الذي يطلبه رئيس الوزراء.

يبقى اننا لا نستعمل الموارد المتاحة لنا على الوجه الصحيح. وحينما نقول الوجه الصحيح نعتمد على الاقتناع بان الافادة من الانفاق يجب ان توفر منافع ملحوظة تحسّن شروط حياة المواطنين.

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أكدا في تقاريرهما عن الوضع الاقتصادي والمالي، أن السياسة النقدية تسهم في استمرار النمو الاقتصادي بوتيرة متدنية، وان كانت تشابه معدلات النمو في أوروبا وحتى الولايات المتحدة، واذا كان للبنان ان يحقق نموًا على مستويات أعلى وربما 5 في المئة سنويًا تسمح باستيعاب الطاقات الشبابية قبل الهجرة، يجب تحسين وضبط السياسات المالية التي تتمثل في برامج التحصيل والاستدانة والانفاق.

الانفاق الاستهلاكي هو المصدر الاول لواردات الدولة، ويتمثل في عائدات الجمارك، والضريبة على القيمة المضافة (باستثناء الانفاق عل المأكولات الطازجة والكتب وما شاكل ذلك)، ورسوم المخابرات، سواء رسوم الهواتف النقالة والانترنت او رسوم الهاتف الثابت، والنسبة الكبرى من ارباح الريجي من بيع التبغ، ورسوم السفر واصدار الجوازات، ورسوم الطوابع على المعاملات العادية وغرامات مخالفة قوانين السير.

الاستهلاك عادة قاعدة تحصيل 65 في المئة من واردات الدولة في غالبية البلدان المتطورة أو التي هي في مرحلة النمو كما هو وضع لبنان، والاستهلاك في لبنان يضمر منذ سنوات ولا شك في ان انخفاض الانفاق على الاستهلاك يعود الى تدني فرص العمل المجدية من جهة وتالياً الاكتساب، وارتفاع تكاليف المدارس، والعلاجات الصحية ويضاف الى كل ذلك أمر لا يحتسب عادة.

اللبنانيون من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وهم غالبية السكان، يعانون ارتفاع أسعار الكهرباء من المولدات الخاصة الى ما يوازي أربعة اضعاف فاتورة مصلحة كهرباء لبنان لتوفير المقدار ذاته من الامدادات الكهربائية. وهم يعانون الكلفة الباهظة للتخابر، والكلفة الباهظة للانترنت، ولا نتحدث فقط عن الاشتراكات والفواتير الشهرية، بل أيضًا عن التقطع المريع في الخدمات الذي يجعل العمل التفاعلي مع الخارج أصعب بكثير، خصوصاً ان لدى جميع البلدان المحيطة بلبنان خدمات خليوية افضل وارخص من الخدمات في لبنان، وخدمات الانترنت تفوق طاقتها وسرعتها اضعافًا مضاعفة لما يتحمله اللبناني والتقطع يقطع الانفاس.

لقد ادخلنا خدمات الهاتف الخليوي قبل أواخر عام 1993 بالقرار الناتج من رؤيوية رفيق الحريري وانجزنا محطتين لانتاج الكهرباء بالاعتماد إما على المازوت وإما على الغاز وكان يبدو متوافرًا من سوريا أو من مصر، واصبح لدينا كهرباء عام 1999 على مدى ساعات الليل والنهار فاين نحن من خدمات الاتصالات الفعالة وتوافر الكهرباء دون فرض اصحاب المولدات الخاصة رسوماً احتكارية؟ أين نحن، أيها السادة، من الخدمات المتكاملة في مجال الكهرباء والاتصالات والحفاظ على البيئة؟ (لقد ذهبت قضية معالجة النفايات أدراج النسيان وكأن صحة اللبنانيين حاضرًا ومستقبلاً لا تعني النواب والمديرين العامين الخ).

نعود الى موضوع خسارة الموارد بسبب ارتفاع تكاليف الكهرباء للمواطنين العاديين من الطبقة المتوسطة أو الطبقة التي تعاني الفقر.

اننا نقدر نسبة الانفاق على الاستهلاك لافراد العائلات المتوسطة أوضاعهم بما يماثل 50 في المئة من الاستهلاك العام، والفئات الفقيرة نسبة 10 في المئة، أي ان حصة هاتين الفئتين من الانفاق الاستهلاكي 60 في المئة، والانفاق الاستهلاكي يوازي 65 في المئة من مجمل الدخل القومي، فيكون استهلاك الفئتين المشار اليهما نحو 40 في المئة من مجمل الاستهلاك أي ما يساوي 16-20 مليار دولار سنويًا. ومتوسطو الحال والفقراء تتآكل مواردهم تكاليف تحصيل الكهرباء والمياه والاتصالات بنسبة 15 في المئة من دخلهم، وكانت هذه النفقات تخصص للاستهلاك الضروري لو توافرت امدادات الكهرباء والمياه بتكاليف معقولة ومنتظمة وكذلك وعلى مقدار كبير من الاهمية خدمات الاتصالات.

ونذكر قبل الختام ان حركة الاستثمار غير العقاري التي باتت مشبعة، لن تزداد بالقيمة والوتيرة ما لم يصبح المناخ السياسي واعدًا بالاستقرار وما لم تتأمن الكهرباء من معامل جديدة تشغل على الغاز على أبعد حد خلال سنتين، وتتحسن الاتصالات وتنخفض تكاليفها. تحديات بسيطة لمجتمع أهله وسياسيوه يعملون لمصلحته.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*