لماذا لم تنتج حروبنا الكثيرة أدباً؟

 

فاضل السلطاني
الشرق الأوسط
27092018

في مثل هذه الأيام من عام 1980، بدأت الحرب العراقية – الإيرانية، وهي من أكثر الحروب عبثية وغرابة في التاريخ الحديث، فلم تكن حتى حرباً بالمعنى المعروف، وإنما صراع بين ثورين وقودهما البشر.
كان صدام والخميني، كما كتب الزميل أمير طاهري مرة في هذه الجريدة، «يتمتعان بقدر من الغرور في حجم جبل إيفرست ويعتقدان – في السر على الأقل – أنهما جهبذان في كافة مجالات النشاط البشري، وكان كلاهما يجدان ثناءً من الحاشية الخنوعة المحيطة بهما ووسائل الإعلام، كما جرى عدّ كل منهما شخصية معظمة تضطلع بمهمة المسيح المُخَلِص. كان صدام يعد ذاته بمثابة صلاح الدين الجديد. ومن جهته، كان الخميني – الذي ادعى أنه من نسل الحسين – يعتقد أنه سينتقم لقتل جده الأكبر على يد الخليفة الأموي يزيد».
وكانت هذه الحرب من أطول الحروب أيضاً، وأكثرها تكلفة: مليون قتيل من الطرفين، وألوف مؤلفة من الجرحى والمعوقين، بالإضافة إلى التدمير الهائل في البنية التحتية للبلدين.
هذه التراجيديا البشرية، أعقبتها بالطبع كوميديا لا تقل فظاعة، إذ بلغ اليأس منتهاه، وتعب الثوران الهائجان العنيدان من بعضهما البعض. حافظ كل منهما على رأسه سليماً، ونام مطمئناً، و«كأن شيئاً لم يكن»، كما صرح صدام حسين حينها.
إذا نحن أمام تراجيديا كاملة العناصر، بكثفاتها الدرامية، وأحداثها، وشخوصها، وأمام كوميديا مكتملة العناصر أيضاً.
والسؤال: هل انعكس هذا الحدث الكبير، بكثافته الدرامية، ومآسيه وفواجعه، ونتائجه الاجتماعية والإنسانية الكارثية، ولا معقوليته المضحكة، في قصائدنا ورواياتنا وقصصنا بحيث تحول إلى ظاهرة يمكن أن نسميها «أدب حرب»؟
انتهت الحرب العراقية – الإيرانية منذ ثلاثين عاماً، أي مرت ثلاثة أجيال، وهي فترة طويلة نسبياً، لكننا لم نقرأ بعد أعمالاً ترتقي إلى تراجيدية تلك الحرب وكوميديتها أيضاً. بالطبع، صدرت أعمال أدبية كثيرة عنها، من كتاب شاركوا فيها فعلياً، ومن شهود عليها، ولكن من الصعب في تقديرنا أن نتحدث عن أدب حرب أنتجته تلك الفترة الملتبسة. وهذا ينطبق أيضاً على حرب الخليج الثانية، التي أعادت العراق إلى ما قبل العصر الصناعي.
ولكن ظاهرة غياب أدب الحرب، ولو نسبياً، لا تقتصر على العراق وحده، رغم أنه تجاوز الجميع بكثرة حروبه، بل يمكن تعميمها عربياً.
فحروب 1948، ويونيو (حزيران)، وأكتوبر (تشرين الأول)، لم تنتج أيضاً أدباً يمكن أن يرتقي إلى مستوى الظاهرة، كما نقول أدب الحرب العالمية الأولى، خصوصاً شعرياً، وأدب الحرب الثانية، وأدب الحرب الإسبانية.
لا يستطيع المرء أن يضع إصبعه على سبب واحد. هل يتعلق الأمر بالموهبة الفردية الخلاقة، القادرة، حتى بعد مرور زمن طويل، أن تقرأ الجوهري والأساسي في أي حادثة إنسانية كبرى، وتقدمها حية، حارة النبض بشخوصها، وتعقيداتها، ومسارها المتعرج، فتلقيها على حاضرنا وكأنها تجري الآن أمام أعيننا؟ كما فعل تولستوي، مثلاً، حين كتب «الحرب والسلام» بعد ستين سنة من احتلال فرنسا لروسيا؟ أم أن الأمر كله متعلق بمنظومة ثقافية كاملة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*