الرئيسية / home slide / لماذا لستُ يائسًا؟

لماذا لستُ يائسًا؟

لوحة لمنصور الهبر.

(كتبتُ هذا المقال من وحي زيارةٍ مع شلّةٍ من الأصدقاء الشعراء والكتّاب والفنّانين، في عطلة نهاية الأسبوع، إلى “درب القمر”، فيع، من أعمال الكورة، مهبط وحي الكاتب الكبير الراحل فؤاد سليمان. كان هناك: شوقي أبي شقرا، عبده وازن، فوزي يمّين، منصور الهبر، محمود شريح، سليمان بختي، سميح زعتر، وكاتب هذه السطور. أصحاب الدعوة وليد سليمان، زوجته لولا، وولداهما فؤاد وزياد).

أنا لستُ يائسًا، لأنّي الغريق المتشبّث بالقشّة الوحيدة الباقية في خضمّ الأمواج الوجوديّة اللبنانيّة العاتية.

أنا لستُ يائسًا، وأنا عنيدٌ في هذا الشأن، وأكتب شاهرًا هذا العناد، ومصرًّا عليه، لأن لا مفرّ من هذا العناد.

فأنا غريق لبنان، وهذا الغرق هو وحده الخلاص.

هذه هي معادلة الغرق – الخلاص الوحيدة المتوفّرة لي.

الاستيلاء على لبنان، يغرّق المستولي، ويغرّق لبنان.

عبثّا كلّ “طموحٍ” من هذا النوع.

عبثًا يستولي طرفٌ، أو جهةٌ، على لبنان.

لا السلاح يستطيع. ولا المال. ولا الدين. ولا الطائفة. ولا المذهب. ولا القتال. ولا التعصّب. ولا الكره. ولا الحقد. ولا الاستعلاء. ولا البزنس. ولا الدعارة. ولا إيران. ولا السعوديّة. ولا الخليج. ولا البحر. ولا البرّ. ولا الصحراء. ولا سوريا. ولا إسرائيل. ولا الدولار. ولا الروس. ولا الصين. ولا الولايات المتّحدة.

لا أحد على الإطلاق يستطيع.

ولا العالم كلّه يستطيع.

الجمال يخلّص العالم، يقول دوستويفسكي.

أنا الشاعر “العارف” المتواضع أقول إنّ لبنان يخلّصني، لأنّ الجمال الذي ينطوي عليه، ليس هو الجمال المادّيّ الطبيعيّ فحسب.

جمالُهُ الباقي، هو أعظم، وأقوى، وأعمق، وأجمل من كلّ جمالٍ أرضيٍّ محتمَل.

أنا غريق هذا الجمال، ولا خلاص لي إلّا به.

لبنان غريقُ جمالِهِ، ولا خلاص له إلّا به.

عبثًا تبشيع لبنان.

شجرةٌ واحدةٌ تكفي لإعادة إنتاج جماله.

نبعةٌ واحدةٌ.

قصيدةٌ واحدةٌ تكفي.

رجلٌ حرٌّ واحدٌ يكفي.

بل امرأةٌ حرّةٌ واحدةٌ تكفي.

المتوحّشون يمكنهم أنْ يمعنوا في التوحّش وفي التبشيع.

لكنْ، عبثًا هذا “الاجتهاد” العبثيّ الذي لن يفضي إلى شيء.

لا أحد يستطيع أنْ يتخلّص من لبنان.

لا أحد يستطيع أنْ يبشّع لبنان، على رغم كلّ هذا التبشيع المادّي والمعنويّ الممعن فيه.

جمالُهُ يخلّصه. ويخلّصنا.

عبثًا كلّ مقامرة. عبثًا كلّ هذا التكالب الطائفيّ المذهبيّ السياسيّ الحزبيّ. عبثًا كلّ هذا الاستيلاء. وعبثًا كلّ هذه المصادرة.

لا أحد يستطيع أنْ ينتصر في لبنان. وعلى لبنان.

لا أحد يستطيع أنْ يأخذ لبنان إليه.

فليعرف “حزب الله” ذلك. وليعرف رئيس الجمهوريّة. وليعرف “التيّار”. وليعرف “حزب القوّات”. ولتعرف “أمل”. وليعرف “التقدّميّ”. وليعرف “الماضي”. وليعرف “الحاضر”. وليعرف “المستقبل”. وليعرف “الرجعيّ”. وليعرف “المؤمن”. وليعرف “الكافر”.

كلّ اعتداءٍ على لبنان، كلّ تشويهٍ له، وكلّ تبشيعٍ، وكلّ تنكيلٍ، يقوّي فقط فكرة الرجوع إليه.

لا انتصار إلّا به. ولا خلاص.

لماذا أنا لستُ يائسًا؟ ولماذا أنا عنيدٌ في إشهار عدم اليأس؟ ولماذا أصرّ على الكتابة في هذا الشأن؟

لأنّي “أعرف” هذه الحقيقة، على رغم اليأس الذي يجهّل، وييئّس، ويغرّق.

“أعرف” أنّي غريق لبنان، وأنّ لبنان غريق ذاته وجماله.

“أعرف” أنْ لا خلاص إلّا بهذا الغرق الحرّ الطيّب الأنيق اللذيذ.

لا تغرّقوا لبنان في أديانكم، وطوائفكم، ومذاهبكم، ودعاراتكم، وأحزابكم، وتيّاراتكم، وعصبيّاتهم، وانحيازاتكم، وعمالاتكم، وأموالكم، وصفقاتكم، والسمسرات، والصغائر.

لا تغرّقوه في الوحول، لئلّا تغرقوا في الوحول.

اغرقوا أيّها النتنون، في جمال لبنان، تتطهّروا، وتخلصوا، ويخلص لبنان.

إني “أعرف”. إنّي “أعرف”. إنّي “أعرف”.

إنّي “أعرف” أنّ لبنان الشاعر هو وحده الخلاص. وأنّ الغرق فيه لا يقتل، بل يحيي.

وإنّي “أعرف” أنّ “درب القمر”، هو درب لبنان، وأنّه الغرق في لبنان ذاته.

لذا أنا لستُ يائسًا.

لذا أنا عنيدٌ في إشهار عدم اليأس.

ولذا أنا مصرٌّ على كتابة هذا العناد.

أنا لستُ يائسًا، لأنّي “عارفٌ” بالثلاث، أنّ لبنان لا يمكنه إلّا أنْ يكون هذه القشّة الخلاصيّة الوحيدة الباقية في خضمّ الأمواج الوجوديّة العاتية.

Akl.awit@annahar.com.lb