الرئيسية / مقالات / لماذا لا يحق لي أن أكون آية نور الدين الأتاسي

لماذا لا يحق لي أن أكون آية نور الدين الأتاسي

 

آية الأتاسي
القدس العربي
22082022

هذا النص مهدى لكل الأبناء الذين حرموا من حقهم في البنوة

في البدء كان الحزن

الحزن غائر فينا كبئر جوفي، يكفي أحياناً أن يطرق الأحبة الغائبون باب الذاكرة، كي تتسرب مياهه عبر نوافذ العين والروح.
منذ أيام وأنا أسمع طرقات يد أبي تلح عليّ كي أفتح قلبي. فقد اعتاد أبي كثيراً أن يعود من تحت التراب، ويقف على عتبة النسيان كي يقول لي كلمة منسية، أو يطبع على جبيني قبلة، لكنه غالباً يعود كي نضحك معاً، فيجلس بيني وبين نفسي بكامل أناقته، يبدو حينها وكأنه في عمري الآن، وغالباً ما يتهرب من أسئلتي المتراكمة عبر السنين، لكنه يبتسم كثيراً، وكأنه نسي أنه مات، فتحفر الغمازة في خدينا. ولسان حاله يقول: تعلمي الوقوع في الفرح يا صغيرتي، فالفرح أسهل من الحب، لكنني رغماً عني أنتهي عالقة في حفر الحب، فيما أنا أتبع ظل أبي في شعاب قلبي، أو ألمس غيابه بيدي اللتين ورثت خطوطهما عنه. فحين توقف أبي عن السير في دروب الحياة، وقفت بدوري عاجزة في مكاني وكأني فقدت قدمي، وبدا الحب حينها أشبه بعكازة أتكئ عليها، وكأنه تعويض الله عن فقدان الأب.

كبرت يا أبي بعد موتك

أتذكر تعابير وجهك وأنا أودعك آخر مرة، حاولت حينها أن أطبع قبلة على يديك، كما يفعل الأبناء عادة مع آبائهم، لكنك سحبت يدك كمن ينسحب من دوره على مسرح الحياة، دور الأب ودور الابنة، الذي لم يتقنه كلانا. وقبل أن تستدير وتمضي، لوحت لي من بعيد، وكأنك تلوح على عجل لحياة قصيرة، سجلت بدقة على شاهدة قبرك، فبين تاريخ ميلادك وتاريخ موتك أعد ستين عاماً وزنزانة، ولأن لا عمر يقاس خلف القضبان، أطرح عشرين عاماً ونيف من عمرك. ولأن لا عمر يقاس تحت التراب، تبدو لي بعمرك الذي تركته تحت التراب، وكأنك تصغرني، بل أنت جعلتني أمك قبل أن تصبح أبي، فعندما بكيت موتها وأنت طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، جفت دموعك، فأصبحت أذرفها باسمك.
وكما عشت يتم الأم أورثتني يتم الأب، وكان حبك لي ممزوجاً دائماً بالرهبة والحذر، لأنك كنت ترى وجه أمك في وجهي، أما انا فكنت أحبك كما يحب المرء صديقه، بعيداً عن الجينات والموروثات العائلية، وبعيداً عن مقولة «كل فتاة بأبيها معجبة» أحببت فيك طباعك الأليفة، ومزاجك الخاص الذي يوافق مزاجي. وأحببت دموعك التي لا تراها العين، لكن تسمعها الأذن وهي تسقط بصمت في جوفك، كتلك الدموع التي ذرفتها، عندما قرأت صدفة في الجريدة خبر اصطدام قافلة، فبكيت بصمت مقتل ركابها الذين لا تعرفهم. أما بكائي فكان كفيلاً في سل عافيتك التي أنهكتها السجون، لذلك تعلمت ألا أبكي في زيارة السجن، ليس لأن الحارس يعد علينا همساتنا ودمعاتنا، بل لأن كل دمعة أذرفها، كانت تعني ليالي طويلة لا تعرف أنت فيها النوم، ووزنا يخسره جسمك. لأنك بحكم الحصار، عاجز عن مواساة صغيرتك، رغم حساسيتك المفرطة في التقاط كل التفاتة تصدر عنها.
وقد علمت مؤخراً بأنك قبل عقدين من الزمن، وافقت لأجلي على النقل إلى مستشفى السجن، فبعد أن فشل رفاقك في إقناعك بخطورة الأزمة الصحية التي كنت تعاني منها، لجأوا إلى حيلة الابنة التي ستسافر قريباً، وربما ستكون هذه فرصتك الأخيرة كي تراها بعيداً عن السجن وشباكه، حتى لو كانت غرفة مستشفى محاصرة بالحراس وكاميرات المراقبة. هكذا كنت نقطة ضعفك، كما كنت أنت نقطة قوتي كلما هزمتني الحياة.
في آخر لقاء بيننا في غرفة المستشفى المعقمة من كل شيء إلا مرارة الفراق، لمست وجهي بحذر شديد، وأنت تتساءل كيف أصبحت الرضيعة صبية في غفلة من الزمن، مررت على التقاطيع وكأنك تنحت العمر المسروق، وكأنك تثبت اللحظة وتكثفها. نعم يا أبي كبرت بعد موتك، لكنني لم أشخ، فكيف يشيخ من لم يعرف أباً يمسك يده ويعلمه الحياة. فأنت لم تمسك يدي وتعلمني المشي، ولم تأخذني إلى دكان الألعاب، ولم ترافقني عروساً وتمسح دموعك بكفك. ولم ترني أماً، ولم أرك جداً لابنتي. لكن الأكثر إيلاماً لي كابنة، أنني لم أمسك يدك وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة، لعلي من شدة حبي لك، ظننتك أبدياً. وإلى اليوم أشعر بأنك ذهبت إلى الموت مباغتة، كمن يذهب إلى الدكان القريب، كي يجلب لطفلته بعض الحلوى، لكنك نسيت بعدها أن تعود، ونسيت أنا أن أكبر.

أين صندوقك الأسود يا أبي؟

هل أعثر عليه في حجارة حمص السوداء المدمرة، أم في صرير أقفال السجن الحديدية التي كانت تهرس أرواحنا، دون أن نرى أو نسمع صرير أبواب الزنزانة التي تغلق وراءك. كتب الشاعر بسام حجار عن تفاسير الأب:
الفارع الألم
والقامة
نظرة حانية
ونظرة ساهية
رقيقة كلمسة يد.
أما أنا فلا تفسير واضح لديّ عن معنى الأب، فأنا أعيش فقدانه كثقب غائر في الروح يتعذر سده، ومهما توالت الفصول والأزمنة لا شيء يوقف الصقيع المقبل من الثقب، وكأن لا شيء يصلح خلل اليتم. يتيمة هي أيضاً ذكرياتنا معاً، لكنني أستعيدها مراراً بكل تفاصيلها. يدك على يدي، ونحن نضحك للكاميرا أو نضحك من مكر الجينات، هي صورتنا الوحيدة معاً، أتأملها فيخرج وجه الصبية العشرينية التي كنتها، ويتأمل وجهي الخمسيني، وكأنني نسختك الأنثوية يا أبي.
ومع أنك بلغت من العمر الستين، لكننا لم نطفئ يوماً شمعة معا، وكأن الزمن بيننا كان قصيراً جداً، كي يطفئ من أجله شمعة. ولا أعرف إن كان للرائحة مكان في الذاكرة، لكنني لا أستطيع تذكر رائحتك، ربما لأن الحقيبة التي أرسلتها لنا إدارة السجن بعد موتك، كانت تفوح منها رائحة عفونة السجن ولا شيء سواها. لكنني أتذكر جيداً رنين ضحكتك، فالصوت يسهل تسجيله، ورغم ندرة غنائك، أتذكر رنة صوتك بالغناء أكثر من الكلام. فالغناء شكل حب لا يجده الكلام.
كم كنا يومها ممتلئين بالأمل والقوة عندما غنينا وتداخلت أصواتنا في «يا ظلام السجن خيم» وكان الشوق يغلبك وأنت تدندن «زوروني كل سنة مرة» وكان الشجن يغلبني وأنا أغني «يا جبل البعيد خلفك حبايبنا». كان الزمن الضائع بين زيارتي سجن يمتد لأسابيع، لكنني تعلمت في الوقت المستقطع أن أزور صورتك المعلقة في بيتنا، وأفشي لها أسراري وبعضاً من أحلامي، وكانت تبدو لي الصورة حينها عالية جداً، كما يليق بأيقونة المكان الغائبة. ولطالما تلمست رقبتي كما أفعل اليوم في مكان الألم نفسه، ألم سببه ربما غضروف الرقبة، أو ثقل تاريخ الصورة، الذي لم تستطع الطفلة وقتها احتماله. وإلى اليوم ما زلت أحتفظ بالكثير من تلك الطفلة، وما زلت أحب البوشار الذي انتزع حارس السجن كيسه من يدي الصغيرتين، ولا أستسيغه إلا مالحاً كدموعي التي سالت حينها، فيما يداي تمسكان بالكيس كطوق نجاة أخير، أما المرجوحة التي تصحبني أينما حللت في بلاد الله الواسعة، فهي تذكرني دائماً أن التحليق ليس بالمهمة المستحيلة، وأنني قادرة على بلوغ الفرح، حتى دون يد أب تدفعني نحو الحلم بقوة.

الطريق إلى المقبرة

أن نرى الموت نوماً هادئاً هو تحايل عفاريت الشعر على ملائكة الموت. أما الفلسفة فترى في الموت يقين الحياة الأكبر، والدين بدوره يعدنا باللقاء بمن نحب في جنان الخلد، دون أن يضرب لنا موعداً محدداً، فحياة البشر كالساعات تتوقف فجأة عندما تسقط ذرة الرمل الأخيرة منها. ومع ذلك لم يستطع الدين أو الشعر ولا حتى الفلسفة حل معضلة الاشتياق. في صغري كنت أعتقد أن نجوم السماء هي عيون الموتى التي تراقبنا وتسهر علينا، لكن موت أبي المبكر، علمني أن الموتى يسكنون تحت التراب، وكلما غلبنا الشوق، نزورهم في مساكنهم. ورغم سنين غربتي الطويلة التي محت كل خرائط البلاد المنكوبة، ما زال طريق المقبرة حاضراً في ذاكرتي. اليوم لا نسيم يأتي من المقبرة ولا رسائل، ولا ورود أضعها على الرخام الأبيض، فالطريق إلى مدينة حمص بات محفوفاً بالجرحى والقتلى والمفقودين. وحيد أنت في قبرك يا أبتي، كما كنت وحيداً في زنزانتك.

النور في حياتي دجى دون نور الدين

نور الدين أسماك أبوك، اسم لطالما ذكرته الصحافة وغيبه نظام حاول دائماً تغييبك، ولست الآن بصدد مساءلة رفاق دربك السياسي، ومنتقديك عنك. لكن ألا يحق لي لمرة واحدة أن أكتب اسمي كاملاً، كما يكتب الآخرون أسماءهم الثلاثية، دون أن يكال لهم المديح أو تنهال عليهم الشتائم. ألا يحق لي أن أكون آية نور الدين الأتاسي، مثل كل البنات، اللواتي يمتد حرف اسمهم الأخير كي يشبك الحرف الأول لأسماء آبائهم، هكذا من أجل أن تكتمل الحكاية. يا أبي هذا النص عنك، ليس بوصفك طبيبا خطفته السياسة من غرفة العمليات إلى دهاليزها، وليس لأنك رجل سياسة مشاع، فمن أراد أن يعثر على تاريخ رئيس دولة سابق، لن يجده هنا. هذا النص لك وأنت بطله، لأنك ببساطة أبي، وأريد أن أقول لك إني أحبك بكل حساسيتك وضعفك، بانتصاراتك وهزائمك. ورغم كل الزمن المديد على رحيلك، ورغم العشب الكثير الذي نبت، والدموع التي زادت ملوحة، فأنت توحشني. وقد صدق المصريون عندما سموا الشوق وحشة.
واحشني يا بابا.

كاتبة سورية

كلمات مفتاحية

آية الأتاسيتاريخ سوريانور الدين الأتاسي