الرئيسية / أخبار الجامعات / لماذا غابت الجامعات اللبنانية عن تصنيف شنغهاي؟!

لماذا غابت الجامعات اللبنانية عن تصنيف شنغهاي؟!

صدر تصنيف “شنغهاي” في نسخته الـ15، في 15 آب 2017. هذا التصنيف الذي صنفه البعض بغير المهم، لا يمكن اعتباره اعتباطياً. فبيروت التي شكلت راية العلم والمعرفة غابت جامعاتها عن التصنيف العالمي على رغم أنَّ اللبنانيين يتفاخرون بمستوى التعليم العالي لديهم. وفي وقتٍ تعتبر أقساط الجامعات في لبنان خيالية كان من المنتظر أن تأتي النتيجة على قدر التطلعات، ولكنَّ العكس حصل. فهل يكمن السبب في إهمال الطلاب؟ أم تراجع الأداء التعليمي للأساتذة الجامعيين؟ أم أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومات المتعاقبة التي امتنعت عن الاهتمام بالقطاع التربوي؟ أسئلة كثيرة تطرح في هذا الإطار من بينها معايير التصنيف، والمعوقات التي تمنع لبنان من احتلال مركز في لائحة “شنغهاي” على عكس مصر والسعودية بعدما أدرجتا في القائمة من خلال 3 جامعات من الأولى و4 من الثانية. كما أنَّ 6 جامعات إسرائيلية كانت في لائحة الـ500 لأفضل الجامعات، وواحدة في القائمة بين 500 و800. وهو لأمر مستغرب ومخيب للآمال أنْ تتمكن دولة محتلة من التفوق على 22 دول عربية في العلوم والبحوث.

سلوى أبو شقرا

النهار
19082017

نسأل الأكاديمي الدكتور عدنان الأمين عن معايير التصنيف، فيجيب في اتصال مع “النهار” بأنَّ “الموضوع معقد لأنَّ تصنيف الجامعات يرتكز على 4 معايير، أولها وجود متخرجين أو دكاترة جامعيين حائزين على جوائز نوبل، الثاني، صدور تقارير عن شركات تفيد بنشر الباحثين الأكاديميين في الجامعات لأكثر من 20 بحثاً، ويتمُّ تحديث هذه اللائحة سنوياً. الثالث، هو نشر البحوث في المجلتين العلميتين “ساينس” و”نيتشر”، والرابع، الاعتماد على فهرس   في العلوم الاجتماعية، وفي الحصيلة تُجمع المعايير الأربعة. ولكنَّ المعيار منحاز لمن يكتب وينشر بالانكليزية عالمياً وفي مجال العلوم خصوصاً. وهنا، وجب التنبه إلى أنَّ التصنيف شيء ونوعية التعليم شيء منفصل، ولو كانت النوعية تؤخذ في الاعتبار لوجدنا جامعات لبنانية من بينها الجامعة الأميركية في بيروت”. ويشير إلى أنَّ “الجامعات الأميركية بات عددها أقلّ، بينما تقدمت دول أخرى كالصين وتايوان وكوريا ضمن التصنيف”.

ولكنْ ماذا يعوق لبنان؟ يوضح الأمين بأنَّ “بحوثاً عدَّة تجرى في لبنان تساهم في ترقية الدكاترة الجامعيين، حيث ينشرون كل بضع سنوات بحثاً أو اثنين. بالطبع، التصنيف مخيب للآمال، ومن المؤسف ألا تكون جامعات لبنان من ضمنه. نحتاج إلى قرارٍ من الدولة وتقديم الجامعات لمنح تتيح للباحث أن يفرَّغ وقته للبحوث، لا للتعليم فقط. كما أن تضع الجامعات مواردها لتطوير البحوث الموجهة”.

غياب البيئة التمكينية

من جهته، يعتبر البروفيسور رمزي سلامة في حديث لـ”النهار” أنَّ “تصنيف شنغهاي لا يجب أن يكون هدفنا، إذ إننا بعيدون كثيراً منه لأنَّه مخصص للنخبة العالمية، والقائمة ترتكز على الاختصاصات العلمية أكثر من غيرها. في مصر، شجعت الدولة الدكاترة الجامعيين المُجلِّين والبحاثة على نشر بحوثهم في مجلات عالمية مرموقة، وأعطتهم حوافز من بينها مالية، فتشجعوا للنشر ما أدى إلى تحسُّن وضع الجامعات. أما في السعودية، فمن الممكن أنهم استقدموا أساتذة مرموقين من جامعات غربية سبق لهم أن نشروا بحوثاً وساهموا قي تقدم العلم، أو اشخاصاً ساهموا سابقاً في تقدم العلم. وغالباً يكونون من حاملي الجنسيات الكندية أو الأوسترالية أو الأميركية. في لبنان، المسألة مختلفة، فعلى الرغم من وجود باحثين في الطب والهندسة والفضاء وعلم الذرة هاجروا ولمعوا في دول غربية، إلا أنَّ غياب البيئة التمكينية والمختبرات العلمية التي تحتاج إلى أجهزة وكلفة تشغيل كبيرة وميزانيات ضخمة يمنع تبوؤ لبنان هذه القائمة”.

التصنيف لا يُعتبر طريقة علمية

بدوره، يشرح مدير الإحصاء في الجامعة الأميركية في بيروت نزار جوهر في حديث لـ”النهار” أنَّ “هذا التصنيف يلائم جامعات كبرى تضمُّ عشرات الكليات وتصل أعداد الطلاب فيها إلى أكثر من 20 ألفاً. والمعايير التي تعتمدها لا تصلح للجامعات الصغيرة التي لا تملك أموالاً طائلة، إذ تعتمد على البحوث وفق أعداد الأساتذة والطلاب لا مستوى العلم الذي تقدمه هذه الجامعات. وإذا احتسبنا النسب يبرز أنَّ هذه المعايير تأخذ في الاعتبار ما نسبته 10% للخريجين الجامعيين الذين حصدوا جوائز نوبل. و20% لعدد الأساتذة الذين يعملون في هذه الجامعات والحاصلين على نوبل وميداليات في الحقول التعليمية. و20% لمواضيع البحوث العلمية التي تصل إلى 21، و20% لعدد أوراق البحوث المنشورة في مجلتي  “ناتور و سيانس”. وهذا ما يعطي أفضلية للجامعات الضخمة. ولا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ غالبية الباحثين الأكاديميين ضد تصنيف شانغهاي، إذ يعتمد مقاييس تتعارض مع التطبيقات العملية السائدة”.

ويضيف: “تصنيف شنغهاي ابتكره الصنيون ليناسب جامعاتهم، ويأخذ في الاعتبار نسبة الطلاب الأجانب وعدد الأساتذة بالنسبة لعدد الطلاب. ولكنَّ الإعلام تنبَّه إلى هذه الظاهرة الجديدة وبدأت تقارن بين الجامعات. وهذا التصنيف غير عادل مقارنةً بـ”تومسون رويترز” وغيره، إذ أنَّ جامعات لبنان تحصد مراكز ومراتب ضمن القائمة. كما أنَّ شنغهاي يعمل على طريقة الـ “ماس برودكشن” أي الإنتاج بكميات ضخمة. لذلك، وجب تغيير هدف هذه اللائحة لأنَّها لا تعتبر طريقة علمية لتقويم نوعية الجامعة والعلم والأساتذة”.

المؤسسات الصغيرة الحجم ضحية التصنيف

من جهته، يعتبر مدير المكتبات في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور لقمان محيو، أن تصنيف “شنغهاي” يرتكز على الكمية. فالطريقة التي يستخدمها في تحديد مراتب الجامعات تعطي الأفضلية إلى حد كبير للمؤسسات التي تضم أعداداً كبيرة من الأساتذة وطلاب الدكتوراه والمراكز الطبية والباحثين الزائرين والباحثين المشاركين فضلاً عن الهبات البحثية، أما المؤسسات الأصغر حجماً ذات الموارد المحدودة، على غرار الجامعة الأميركية في بيروت، فتصبح، بالمقارنة، في موقع متأخّر.

وعبر التركيز على اختصاصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والطب، يضع تصنيف شنغهاي المؤسسات التي تنفق جزءاً كبيراً من مواردها على تدريس الفنون الحرة ، في مراتب متأخرة. يُشار في هذا الإطار إلى أن بعض الجامعات العريقة التي لا تمتلك كليات هندسة أو طب، على غرار كولدج أوف ويليام أند ماري، غائبة عن تصنيف شنغهاي. لذلك، وبسبب هاتَين الشائبتين المنهجيتين الأساسيتين في شكل خاص، لم يتمكّن سوى عدد قليل جداً من الجامعات في العالم العربي من دخول تصنيف شنغهاي. وتضم الجامعات العربية الخمس التي صُنِّفت بين أفضل خمسمئة جامعة في العالم، آلاف الأساتذة أو لديها موارد غير محدودة تخوّلها دخول التصنيف الذي يولي أهمية كبيرة للحجم وللشقّ المالي.

وختم، أنه “نظراً إلى الزيادة الكبيرة في الإنتاجية البحثية لدى الجامعات في العالم العربي في الأعوام القليلة الماضية، أنا على يقين من أن مزيداً من الجامعات في الدول العربية سينضم مستقبلاً إلى تصنيف شنغهاي، ومنها الجامعة الأميركية في بيروت”.

يبقى أن على الجامعات اللبنانية أن تشتق سبل لتطوير البحوث الأكاديمية لديها. فلا يمكن تبرير عدم إدراجها في تصنيف شنغهاي لأسباب تتعلق بالحجم والكم، بل عليها أن تعترف، خصوصاً المؤسسات التاريخية منها، أنها لا تعالج الثغر التي تجعلها في دائرة الاهتمام العالمي، بعد حصولهها على أنظمة اعتماد كثيرة من مؤسسات مرموقة. فليس مبرراً ألا تكون البحوث عنواناً رئيسياً في الجامعات، كي لا نقول يوماً انها يمكن أن تدفع ثمن تراجع أكاديمي نشهده يرتفع في الأفق. وعليها أيضاً أن تتحرك تجاه الحكومة من أجل الدعم لنهضة القطاع التعليمي.

salwa.abouchacra@annahar.com.lb

اضف رد