الرئيسية / مقالات / لماذا تكره النخب السياسية المارونية بعضها البعض إلى هذا الحد؟

لماذا تكره النخب السياسية المارونية بعضها البعض إلى هذا الحد؟

تعبيرية

مع أن التنوُّعَ المسيحي، وبصورة خاصة الماروني، أي داخل البيئة المسيحية اللبنانية هو الحالة الأساسية التي ينطلق منها ما تبقّى من المسماة “الديموقراطية اللبنانية” التي لا تزال قادرة رغم هشاشاتها على إبهار الكثير من العرب والمسلمين، فهناك مظاهر قسوة ذاتية في علاقات هذه البيئة ببعضها البعض تدفع إلى الاستهجان. آخر العينات موضوع بشارة الأسمر. انهالت على الرجل الذي ارتكب هفوةً – خطأً كبيرين عندما اعتقد أنه يستطيع أن يقتنص بضع كلمات ساخرة غير قابلة للتعميم في مكان غير مناسب، فاصطاده الذي سجّل التنكيت المسيء لشخصية كبيرة في لحظة تستدعي الوقار هي الموت.

معيار النية الجرمية غير موجود قطعاً رغم فداحة الخطأ ومجازفة الكلام قبل جلسة عامة. أما السخرية نفسها فهي جزء من طريقة شائعة للتداول الذكوري في الجلسات الخاصة لمسائل تخلط بين الاستهتار بالقداسة والاستهتار بمقام الأشخاص.

لا أتحدث عن الخطأ الفادح والثمن الذي كان يجب أن يدفعه الأستاذ بشارة الأسمر بعد انكشافه. كان عليه مهما كانت الأسباب أن يكون حريصاً مثلما يصدم سائق سيارة شخصاً على الطريق. لكنني أتحدث هنا عن القسوة السياسية والإعلامية والاجتماعية الشديدة التي ظهرت حياله. هل تنم عن طاقة على الحقد الشخصي لا دواء منها في المجتمع اللبناني وخصوصاً في جزئه المفترَض أنه الأكثر حرية وتنوعاً وهو الجزء المسيحي؟

طبعاً الطائفيّات (وليس الطوائف) السياسية اللبنانية وهي تلجأ إلى القانون تشبه فعلاً العاهرات في لحظة انتقامها من مرتكب فاحشة جنسية. هنا يتحول العهر إلى طاقة على اللعب بالفضيلة في لحظة لا يمكن الاستغناء فيها عن المعيار الفاضل وهو القانون.

كانت الشيزوفرينيا الذكورية اللبنانية، في لحظة ناجحة مع واقعة بشارة الأسمر. هنا الانفصام لا يختبئ بل يهمه أن ينكشف على حدّي “المسؤولية الوطنية”. وفي نظام سياسي كالنظام الطائفي اللبناني تصدر صيحات الهلع من المساس بالرموز الدينية كأنها ذروة التطهّر تلاقي ذروة التدنيس. غاب الفارق سياسيا.

يتقن اللبنانيون، وهذه المرة الموارنة، إرعاب بعضهم البعض في الموضوع الترميزي الديني. الأمر ليس الأصولية التي تنفصل فيها الأخلاق عن الدين، أي ما بات الآن شائعاً وعن حق تحت اسم الداعشية، وإنما في النظام الطائفي حيث لا ادعاء تمسك بالدين وإنما ادعاء تمسك باحترامه، فإن صيحات “وامسيحاه” ستصم الآذان لتمارس الإرهاب الذي يتقنه اللبنانيون: الوتر الطائفي، مثلما هي صيحات “وا إسلاماه” حين يطلقها طائفيون لا دين لهم.

لقد فهمت الطبقة السياسية القوية ولكن المشَرشَحة حالياً حتى بين فئات زبائنها في القطاع العام بسبب ما تواجهه من مشاكل صنعتها بأيديها الوسخة أن خطأ بشارة الأسمر يمكنه أن يمنحها استراحة لتوجيه بوصلة الشرشحة، ولو مؤقتا، إلى ملعب تلجأ إليه عادة في مسائل أكبر: كرامة الرموز الدينية. هكذا نتفوا ريش بشارة الأسمر ورموه لقمة سائغة كالمجدلية.

عودة إلى جوهر الموضوع:

قوة الحالة المسيحية هي تنوعها: الكنيسة بل الكنائس ، الأحزاب، البورجوازية، العائلات، المثقفون، النقابات، كلها لها تعبيراتها السياسية. هذا الأمر غير متوافر حاليا عند الشيعة، المصادَرين بأشكال أمنية وشعبوية وأيديولوجية وزبائنية مختلفة، وعند الدروز حتى لو بدأوا يخرجون سياسيا من الآثار المدمرة لحرب الجبل وصدمتها الوجودية على طرفيها، عند السُنّة بدأ التفكك الصحي من وحدانية استمرت بين 2005 و 2018. عند السنّة “إنها المدن يا غبي”، مستحيل أن يُلغى تنوُّعُها ولو صودر لفترة، أما عند الشيعة فالبورجوازية تافهة من حيث عدم وجود تقاليد لها تعزز التيار الليبرالي بعكس الحالتين المسيحية والسنية، والأحزاب اليسارية هُمشت مع نخبتها، والمثقفون ذوو الاستقلالية الفردية الفعلية لا حاضنة سياسية لهم والكبار فيهم غير معنيين طائفيا بذلك.

على مسرح من هذا النوع كم تبدو القسوة التي مورست على الأسمر مضرة في المساحة الأكثر إتاحة لـ “الديموقراطية” العالمْثالثية التي يحياها لبنان وهي المساحة المسيحية، وكم تبدو مذكِّرةً لنا أن الحريات المتاحة لنا هي حصيلة توازن قبائل طائفية متنوعة.

أختم بما أعتقد أنه يجب أن أختم به:

كيف كان البطريرك الراحل صفير سيتصرف مع تطاول كلامي انتشر بالنتيجة رغماً عن إرادة صاحبه؟

بالتأكيد وبابتسامته الرصينة والذكية وثقته العالية بنفسه وبعمامته كان سيسامح كما سامح سابقاً جرماً أكبر لم يعتذر عنه فاعلوه مرة واحدة خلال أكثر من ربع قرن و لن يدعي بالقدح والذم على الأسمر وربما تدخل لمنع توقيفه.

خطأ فادح وغير مقبول لكنه أقل هرطقة وفجاجة بكثير من بعض سقطات دونالد ترامب الكلامية. ومن معظم النكات المعلنة السائدة في ساحات التظاهرات وعلى صفحات الصحف الغربية.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد