الرئيسية / home slide / لماذا تجاهلت السلطة الحاكمة الثقافة في لبنان؟

لماذا تجاهلت السلطة الحاكمة الثقافة في لبنان؟

استحوذت الثقافة على اهتمام العديد من الملوك والرؤساء وعلى رعايتهم لها. فالثقافة، ومن ضمنها التراث، في الدول المتحضرة، تشكّل، إلى جانب القيمة المعنوية، مصدرا أساسيًا للرزق. فالدافع إلى السياحة في اوروبا، هو تراثها المعماري من فنون وآثار ومعالم تاريخية، إلى جانب ما خلفته من تراث على صعيد الأدب والفكر والفنون وغيرها. ما يدهشنا أنّ غالبية المسؤولين الأوروبيين الحديثين مسكونون بحسّ التاريخ، يحاولون تسجيل أسمائهم فيه بمآثر عمرانية تخلّد اسمهم، لا كرؤساء، بل بما تركوه من بصمة حضارية. أبعد من ذلك، لا يرتقِي إلى السلطة اناس عاديون، بل النخبة من أبناء اوروبا في غالب الأحيان. هذا الترقي النخبوي ينسحب على الوزراء الذين يتمّ اختيارهم على أساس الاختصاص والكفاءة والتميّز.

مع هذه الحالة النخبوية للسلطة، فالقيمة، في هذه المجتمعات المتطورة، هي لأعلام الفكر والأدب والفنون والعلوم. نلاحظ هناك، ما لا نلاحظه في بلدان العالم الثالث، أن شوارع المدن تحمل اسم هؤلاء الأعلام، وتطالعنا الأبنية بعبارات: هنا ولد العلم الفلاني، أو عاش. وعلى مدار السنين معارض لهذا المفكر أو الأديب أو الفنان وغيره تضيء على حياته ونتاجه.

أبعد من هذا أخلص إلى القول: من منّا يتذكر رؤساء اوروبا في التاريخ الحديث، بينما نذكر جيدا فولتير وجان جاك روسو وفيكتور هوغو ولامارتين وبودلير وماركس وانجلز وجان بول سارتر وكانط وفرنسواز ساغان وشاغال وبيكاسو.

ما هو واقع السلطة في لبنان في هذا الاطار والمعيار الحضاري الثقافي التاريخي؟

تعاقبت على السلطة في لبنان منذ الاستقلال حتى اليوم مجموعة من الرؤساء يمكن قسمتهم مجموعتين: الأولى رؤساء قادة، بكل معنى الكلمة، كانوا من أهل القلم وعلى درجة واسعة وعميقة من الثقافة، وقد ترك كل منهم مؤلفات تشهد على موقعهم الثقافي من بشاره الخوري إلى كميل شمعون إلى شارل حلو، وإن لم يترك الرئيس فؤاد شهاب مؤلفات، فمسعاه لبناء دولة المؤسسات العصرية واختياره لزبدة المسؤولين الاداريين تكشف عن عمق وسعة ثقافته. وقد سعى هؤلاء لتشييد مؤسسات وأنشطة ثقافية وفنية بمستوى عالمي. نوعية هذه المجموعة انسحبت على غالبية رؤساء الحكومة والوزراء.

مع المجموعة الثانية التي تلت عهد الرئيس شارل حلو، تدنّى مستوى الرئاسة الأولى فلامس مستوى الشهادة الابتدائية ومستوى الشهادة التكميلية عند اثنين منهم، وبعضهم الآخر رؤساء من حملة الاجازة. أناس عاديون قذفتهم الظروف إلى مركز الرئاسة، ولم يتم اختيارهم على قاعدة الكفاءة، ولم تكن غالبيتهم موشحة بلباس الثقافة. فمنبع ثقافتهم ما يقرأونه من صحف، هذا اذا كانوا يقرأونها. ولم تكن باقي الرئاسات بوضع أفضل الّا في ما ندر. كذلك الوزارات كانت توزّع حصصا لا على قاعدة الأفضل والأكثر كفاءة في الطوائف أو المجموعات الحزبية، بل على الأكثر موالاة لهذا الزعيم أو ذاك.

وعملا بالقول المأثور فاقد الشيء لا يعطيه. ففقدان الحسّ الثقافي لدى المسؤولين والالتهاء بالمصالح الحزبية الاقتصادية المالية وهاجس تجميع الثروات، وحتى نكون منصفين إلى حدّ ما، الظروف الاقليمية التي وضع فيها لبنان من جهة أخرى، وتوالي الهيمنات عليه، حالت لربما، دون السعي لرعاية ثقافية جديّة.

في العام 1992 أنشئت وزارة للثقافة في لبنان. في الظاهر كان إنشاؤها لرعاية النشاط الثقافي كما يفترض أن يكون الهدف منها، ولكن أظن أنّ الغاية الباطنية كانت زيادة عدد الوزارات في لبنان لمراعاة المحاصصة، فنجم عن ذلك تضخم خيالي لعدد الوزراء زاد على عددهم في الدول العظمى.

كان من المفترض أن يخصص لهذه الوزارة مبنى تراثي يليق بتراث بلاد أعلام الثقافة والعلوم والفنون والفكر، وهم النخبة الطليعية في العالم العربي وبعض أهلها في المستوى العالمي. وكما سعت السلطة، مشكورة، لانشاء المكتبة الوطنية في مبنى الصنائع التراثي، كان يفترض بها تحرير باقي المبنى وتحويله إلى وزارة ثقافة ونقل وزارة الداخلية الى مبنى ينسجم مع وظيفتها.

كان وزراء الثقافة في تراتبية الوزارات المبنية على حصص المنافع، يأتون في الدرجة الثالثة، وهم تكملة عدد لحصص الطوائف والاحزاب، لذلك لم تحظَ بوزراء طليعين من أرباب النتاج الثقافي الا في ما ندر. اثنان فقط كانا جامعيين ومن أهل القلم.

اكتفى وزراء الثقافة بالكوكتيلات والولائم وحضور الحفلات، التي لم يكن لهم يد أساسًا في قيامها. ولم يهتموا بالجمعيات الثقافية المنتشرة في المناطق اللبنانية، بل راعوا خواطر وجيوب الجمعيات التي ترأسها زوجات الرؤساء الثلاثة والوزراء والنواب وأزلامهم.

أخطر من كل هذا، فلبنان الغني بالآثار الموجودة في كلّ قرية من قراه، سواء أكان أثرا عظيما بمستوى هياكل بعلبك أو بقايا برج أو نقش أو ناووس، لم يحظَ بأي اهتمام. أليس من المعيب أن ارنست رينان قام في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بأول مسح واسع، لا كامل وشامل، للآثار في لبنان في كتابه “بعثة في فينيقيا”، ومنذ ذلك التاريخ لم تسعَ السلطة اللبنانية إلى إنجاز عمل كهذا. هل سعت وزارة الثقافة إلى مسح شامل وكامل لأعلام الثقافة في لبنان، سواء كان الشخص بمستوى جبران خليل جبران أو بمستوى شاعر زجلي مغمور في قريته؟ هل حافظت وزارة الثقافة على المباني التراثية في مدن لبنان؟ فما إن يشمّر أحد الوزراء عن ساعد الجدّ لحماية هذا التراث، حتى يأتي وزير آخر، لربما متعطش للغنى السريع، فيتراخى في حماية هذا التراث. أين المراكز الثقافية المنتشرة في ارجاء لبنان تساعد المبدعين على التعريف بنشاطهم الكتابي أو الفني؟ أين الرعاية الثقافية في وزارة ثقافة؟

مسكينة وحزينة الثقافة في بلادنا، فسلّم القيم في لبنان يعطي الأولوية للمال، ولو جاء المال بطرق غير شرعية ولا أخلاقية.

 مؤرّخ وأستاذ جامعي.