لماذا التهويل بالانهيار؟


سابين عويس
النهار
10032018

رغم دخول البلاد حماوة الانتخابات النيابية مع اقفال باب الترشيحات وانصراف القوى السياسية الى تشكيل اللوائح وتركيب التحالفات، ترتفع وتيرة التحذيرات المحلية والخارجية من احتمالات انهيار قريب للوضعين المالي والاقتصادي.

يعزز هذا المناخ تقارير دولية ذات صدقية عالية على غرار تقرير البعثة الرابعة في صندوق النقد الدولي، الذي يحذر من مخاطر ارتفاع المديونية وتراجع النمو، وسط غياب اي اجراءات اصلاحية لمعالجة مكامن العجز في الكهرباء مثلا او في مكافحة الفساد، او التقرير الاخير لوكالة “بلومبرغ” الذي جرى تداوله بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا أنه صدر تحت عنوان مثير، انه “قد يكون وقت الانهيار في البلد حيث ثالث اعلى نسبة مديونية في العالم”. وقد استند كاتبو التقرير الى المعطيات والارقام التي تقرب الوضع اللبناني من الوضع اليوناني في مقارنة غير متوازنة اساسا بين الوضعين.

سبق ذلك تقرير لبنك عودة يكشف أن التحويلات من الليرة الى الدولار وخروج ودائع من لبنان بعد اعلان رئيس الحكومة استقالته في تشرين الثاني الماضي بلغت 3 مليارات دولار، وهو ما دفع المخاوف على الوضع المالي الى التنامي في ظل هشاشة هذا الوضع وتأثره بالضغوط السياسية في البلاد.

ترافق ذلك مع موجات متقطعة من التحذيرات التي يطلقها رئيس الحكومة سعد الحريري بين الفينة والاخرى، وآخرها المؤشرات السلبية التي عددها خلال المؤتمر التمهيدي المنعقد في فندق “الفورسيزن” لتقديم مؤتمر “سيدر” المزمع عقده في مطلع نيسان المقبل في باريس.

هل هذه المخاوف في محلها او انها تدخل في سياق مناخ من التهويل تتعدد اسبابه وحيثياته وفق الحسابات الخاصة بمطلقي هذه المخاوف؟

يجمع أكثر من مصدر مصرفي على أن الوضع الاقتصادي المتراجع يشكل السبب الرئيسي لهذه المخاوف، لكن يستبعد هؤلاء نظرية الانهيار الجاري تداولها، ليس لأن لبنان يمتلك مقومات كافية لابعاد شبح الانهيار، بل لأن مقومات الانهيار لم تكتمل بعد لتدفع البلاد نحو هذا الخيار الذي يرى كثيرون انه يشكل واحدا من خيارين من شأنهما ان يربكا الساحة المحلية على مسافة قصيرة فاصلة عن موعد الانتخابات النيابية: اما الانفجار الامني واما الانهيار الاقتصادي.

مصرف لبنان (أ ف ب).

ويرى هؤلاء ان ثمة حاجة الى تحرك معاكس من اجل وضع حد للتهويل، لانه لا يخدم في تسليط الضوء على واقع ليس غافلا عن مراكز القرار الاقتصادي والمالي، لافتين الى الحاجة الى الدفاع عن العملة الوطنية والسياسة النقدية، ومعربين عن تخوفهم من ان يكون التهويل الاخير يدخل ضمن حملة ترمي الى تشويه الوضع الاقتصادي والمالي وإثارة الشكوك في واقع العملة اللبنانية ومستقبلها”.

ويقول هؤلاء ان الوضع الاقتصادي سيئ حتما، لكنه لم يبلغ نقطة اللاعودة، بل ثمة اكثر من فرصة متاحة للخروج من الحال المتردية السائدة. وما الاستعجال لعقد مؤتمر “سيدر” قبيل الانتخابات وعدم انتظار تكون سلطة جديدة، الا من اجل اعطاء جرعة للاقتصاد، خصوصا ان حصيلة هذا المؤتمر لن تكون زيادة المديونية بل ضخ تمويل جديد في استثمارات مولدة للنمو وفرص العمل. وليس من الضروري تعليق الآمال على اعتمادات بالمليارات، بل يكفي في رأي هؤلاء اطلاق بضعة مشاريع ببضع مئات ملايين الدولارات لإعطاء الجرعة المطلوبة.

لكن ما يشغل الوسط الاقتصادي وحتى السلطة النقدية ينحو في اتجاه القطاع العقاري والفقاعة الناتجة من الحجم الكبير للسوق، في ظل تراجع الطلب، أو الاصح تراجع القدرة الشرائية على تلبية العرض.

وفهم أن السلطة النقدية، بقرارها تقليص حجم الكتلة النقدية المخصصة للقروض السكنية المدعومة، تهدف الى تحريك السيولة المجمدة في المصارف والدفع نحو كسر المستويات العالية للأسعار، بما يتيح تحريك الجمود في هذه السوق.

ويأمل الوسط الاقتصادي ألا يتم استغلال الوضع المتردي، ولا سيما في ظل الصفقات التي تفوح منها روائح الفساد والسمسرة، في الحملات الانتخابية واستغلال مشاعر الناخبين بشعارات رنانة تهدف الى جذبهم الى صناديق الاقتراع، فيما الحلول الجذرية غائبة كليا عن البرامج الانتخابية للمرشحين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*