الرئيسية / home slide / لماذا ارتفع صوت “حزب الله” غاضباً في كل الاتجاهات؟

لماذا ارتفع صوت “حزب الله” غاضباً في كل الاتجاهات؟


أحمد عياش
21-09-2020 | 23:42 المصدر: النهار

فوجئ اللبنانيون بالطريقة التي تولى فيها “حزب الله” عبر المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، الذي صار موقعاً تابعاً للحزب، الرد على المواقف الاخيرة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من الملف الحكومي. ومرد هذه المفاجأة ان ادبيات الجدل في لبنان على مستوى المرجعيات الروحية، لم تعرف في تاريخها هذا النوع من الخطاب الذي وصل الى اعتماد عبارات والفاظ في بيان المجلس مثل “تحريض طائفي” و”يثير النعرات” و”يشوّه الحقائق ويفتري”، وغيرها من المفردات التي لم ينحدر اليها الخطاب اللبناني من قبل. فإلامَ يشير هذا الخطاب غير المسبوق؟
في سياق متصل، وفي تقييم لتجربة الرئيس المكلف مصطفى أديب، والجبهة المساندة له والمتمثلة برؤساء الحكومات السابقين، تقول اوساط ديبلوماسية عربية لـ”النهار”، إن هناك معطى جديداً لم يكن موجوداً سابقاً هو قيام فريق يمتلك الوزن السياسي والمعنوي ما جعله مؤهلاً ليقول كلمته في مسار تأليف الحكومة الجديدة. ولعل هذا المعطى يفسر الحملة التي لا تتوقف على هذا الفريق، وأبرز ما في هذه الحملة خروج “حزب الله” عن قواعد السلوك التي اعتمدها طويلاً بلجوئه الى إطلاق التهديدات مباشرة ضد بعض اطراف هذا الفريق. فماذا في التفاصيل؟
في معلومات لـ”النهار” من مصادر مواكبة لتأليف الحكومة، ان المعاون السياسي للأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، حسين الخليل أجرى تباعاً مساء الاربعاء الماضي إتصالين هاتفيين بالرئيس المكلف والرئيس نجيب ميقاتي. وقد علت نبرة الغضب في الاتصالين من الخليل حيال ما آلت إليه أمور تأليف الحكومة. وبدا المسؤول في الحزب كأنه يحمّل من اتصل بهما تبعات تعقيد الامور من خلال رفض الذهاب الى تشكيل حكومة تحفظ حقيبة المال لمن يختاره الحزب بعد اقتراح من حركة “أمل”، وكذلك رفض الدكتور أديب ان يتسلم من مقر الرئاسة الثانية في عين التينة لائحة بالمرشحين لكي يتسلموا الحقائب التي ستكون من حصة “حزب الله” وحركة “أمل” على ان يختار أديب من بينهم العدد المطلوب. وخلص الخليل الى إطلاق عبارة على مسمع أديب ومن بعده الرئيس ميقاتي:”ما بيهمّنا (الرئيس إيمانويل) ماكرون واللي وراء ماكرون!”.
مصدر هذه المعلومات قال لـ”النهار” ان جوهر هذه الواقعة هو ان “حزب الله” لجأ للمرة الاولى منذ زمن طويل الى هذا الاسلوب الفجّ في مخاطبة الآخرين، خصوصا في ما يتصل بتشكيل الحكومات، ما يعني ان هناك عوامل جديدة طرأت على الحياة السياسية “أخرجت الحزب عن طوره”، بعدما كان مألوفاً ان يبقى الحزب متوارياً خلف قوى تقوم بما يريد هو القيام به، وفي مقدم هذه القوى وأهمها حركة “أمل” بشخص الرئيس نبيه بري مباشرة او بشخص معاونه السياسي النائب علي حسن خليل.
التحرّك الذي قام به السفير الفرنسي برونو فوشيه باتجاه “حزب الله” الاربعاء  الماضي، قبل الاتصالين الهاتفيين اللذين أجراهما الخليل بأديب وميقاتي، كان مؤشرا الى بلوغ المبادرة الفرنسية منعطفاً مهماً استدعى قيام ممثل فرنسا في لبنان بزيارة الضاحية الجنوبية ولقائه مسؤول العلاقات الدولية في “حزب الله” النائب السابق عمار الموسوي. وفي المعلومات الصحافية التي تلت اللقاء ان الجواب الذي وصل لاحقاً الى فوشيه نقلاً عن الامين العام للحزب، ان لا تراجع عن مطلب حقيبة المال وتسمية الوزراء الشيعة، ما يعني ان المبادرة الفرنسية وصلت الى حائط مسدود. وهذا ما تبلّغه رئيس الجمهورية ميشال عون السبت الماضي من رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد.
وسألت اوساط سياسية عما حمله السفير فوشيه الى الحزب ما جعل الاخير وعلى لسان الخليل يخرج عن طوره؟ ترجح هذه الاوساط ان قيادة “حزب الله” هالها ان تضع التطورات المتلاحقة المتصلة بتأليف الحكومة خصوصاً في ضوء مهلة الاسبوعين التي حددها الرئيس ماكرون لإنجاز تأليف الحكومة، حارة حريك على شاشة هذه التطورات مباشرة بصورة مكشوفة لم يعتدها من قبل.
لم يعد سراً القول ان ورقة الرئاسة الثانية التي قدمت الكثير من الخدمات لـ”حزب الله” تلاشت فجأة في القرار الذي صدر عن وزارة الخزانة الاميركية واضعاً الشخص الابرز في الدائرة المحيطة بالرئيس بري على لائحة العقوبات، أي وزير المال السابق علي حسن خليل. وتبيّن ان الادوار التي نيطت بالاخير لم يعد لها مسوّغ بعد العقوبات الاميركية التي صدرت بحقه. وعندما قام خليل في اليوم التالي للاتصالين الساخنين اللذين اجراهما نظيره في “حزب الله” مع الرئيس المكلف والرئيس ميقاتي، بزيارة أديب بمعية الخليل، كان ذلك بمثابة محاولة لإحياء نفوذ كلمة “الخليلين” التي كانت تعني سطوة لم يعد لها وجود بسبب سهام العقوبات الاميركية التي نالت مباشرة معاون بري. وفي تقدير اوساط نيابية محايدة ان الامور بلغت حداً لم يعد فيها “خليلان” وإنما خليل واحد، كما لم يعد فيها “ثنائي شيعي” بل هناك واحد فقط هو “حزب الله”.  
يعتبر المراقبون أنّ مغادرة السفير فوشيه بيروت السبت الماضي بعد انتهاء ولايته، تمثل في واقع الامر نهاية مرحلة بلغت ذروتها في تميّز الديبلوماسية الفرنسية من ناحية التعاطي الايجابي مع “حزب الله” عن مثيلاتها في اوروبا والولايات المتحدة الاميركية. ومع طيّ هذه الصفحة من النهج الفرنسي في لبنان، والذي اقترن بتحميل الحزب المسؤولية عن إحباط مبادرة الرئيس ماكرون، يتضح السبب وراء ارتفاع صوت “حزب الله” على كل مَن وقف ولا يزال يقف في وجهه في مسار الاحداث المتلاحقة في لبنان.

ahmad.ayash@annahar.com.lb